Iraq News
























مواقع إخبارية

سي أن أن

بي بي سي

الجزيرة

البشير للأخبار

إسلام أون لاين



الصحف العربية

الوطن العربي

كل العرب

أخبار اليوم

الأهرام

الوطن

القدس العربي

الحياة

عكاظ

القبس

الجزيرة

البيان

العربية

الراية

الشرق الاوسط

أخبار العراق

IRAQ News




فضائيات



قناة طيبة

قناة الحكمة

قناة اقرأ

قناة الشرقية

قناة بغداد الفضائية

قناة البغدادية

قناة المجد

وكالات أنباء

وكالة أنباء الإمارات

وكالة الأنباء السعودية

المركـز الفلسطينـي

وكالة أنباء رويترز

وكالة الانباء العراقية


تواصل معنا من خلال الانضمام الى قائمتنا البريدية

ادخل بريدك الألكتروني وستصلك رسالة قم بالرد عليها

Reply

لمراسلتنا أو رفدنا بملاحظاتكم القيمة أو

للدعم الفني

راسل فريق العمل

إنظم للقائمة البريدية


اخي الكريم الان يمكنك كتابة تعليق وقراءة آخر عن ما ينشر في شبكة أخبار العراق من خلال مساهماتك في التعليقات اسفل الصفحة



Website Hit Counter
Free Hit Counters

الأربعاء، 2 يناير، 2008

صحيفة العراق الالكترونية الافتتاحيات والمقالات 31-12-2007


نصوص الافتتاحيات والمقالات
ت
عنوان المقالة او الافتتاحية
اسم الكاتب
مكان النشر
1
المقاومة العراقية, هل انتهت؟ (2-2)
ناهض حتر
العرب اليوم
المرحلة الاولى من المقاومة العراقية انتهت بوصولها الى سقفها السياسي, وهو اضطرار المحتلين الى تغيير استراتيجيتهم جذريا, والاعتراف بثقل ونوعية المكوّن السني في البلد, والذهاب الى تسوية تقوم على المناصفة السنية-الشيعية, بدلا عن المثالثة مع الاكراد الذين سيعودون الان الى حجمهم الطبيعي في المعادلة العراقية والاقليمية, ولن يشكلوا, بعد, فدرالية توسعية-قضية كركوك مثلا تسير نحو الحل على اساس عراقية المدينة, وليس كرديتها.
انجازات المقاومة العراقية في مرحلتها الاولى, رغم ما واجهته من قوى شرسة ورغم ما اعتراها من ضعف سياسي داخلي-شرحناه امس-, هي انجازات جبارة. فهي انقذت العالم العربي كله من الانحلال تحت وطأة هزيمة جرى الرد عليها بسرعة خارقة غير مسبوقة بقتال ضار غير مسبوق من المقاومات عبر التاريخ.
وقد عرقل هذا الرد العاصف, المشروع الاستعماري الامريكي في العراق والمنطقة ووجه اليه ضربات موجعة جدا.
البنية العراقية, مثلما قلنا دائما, مستعصية على الاستعمار, بمعنى ان شروطها الداخلية هي اقوى من شروطها الخارجية-ومع ذلك, فان سرعة انطلاق المقاومة العراقية وحجمها وقدرتها على ايقاع خسائر جسيمة في صفوف جيش الاحتلال وشله عسكريا وامنيا منذ ربيع ,2004 اثبتت هذه النظرية, وبرهنت على الفشل التاريخي لاستراتيجية المحافظين الجدد القائمة على امكانية تغيير البنى الوطنية بالقوة العسكرية. هذه الاستراتيجية اصبحت من الماضي الان.
استطاعت المقاومة العراقية في اربع سنوات من القتال, ان تعيد ترتيب موازين القوى الاقليمية لصالح الدول والقوى المحلية في المنطقة, كل منها وفقا لطاقته وقدرته على الاستفادة من المأزق الامريكي في العراق. واكبر الرابحين هم ايران وسورية والمعارضة اللبنانية وحركة »حماس«.
وعلى المستوى العالمي, شكلت السنوات الاربع الفائتة من غرق الامريكيين في حرب العراق, فرصة ذهبية للصين وروسيا للتحول الى قطبين دوليين, ولليسار الامريكي اللاتيني للنهوض وتسنم السلطة في عدة بلدان في »الحديقة الخلفية« للاستعمار الامريكي, على حساب النفوذ والمصالح الامريكية بالذات. وعلى مستوى موقع امريكا الشمالية في المنافسة الدولية, خسرت واشنطن, حرب المنافسة في كل المجالات, ما عدا واحدا هو المجال العسكري. ولا يمكن ان تستمر دولة عظمى في الهيمنة الدولية من خلال قدرات البلطجي وحده, من دون قدرات اقتصادية وثقافية وايديولوجية ناجحة. وقد خسرت واشنطن في حربها على العراق, كل شيء تقريبا, من السيطرة شبه الشاملة على قطاع النفط الدولي, حيث قضمت روسيا والصين والهند, حوالي ثلث هذا القطاع, الى قوة الدولار. وبرز في التجارة الدولية منافسون اقوياء في كل حقول الصناعة والتقانة. لكن الهزيمة الكبرى التي لحقت بالامبراطورية الامريكية, هي هزيمة ايديولوجيتها وثقافتها التي ارتبطت في العقل الجمعي للبشرية بالبربرية والحرب والدماء والاستغلال والامبريالية. لقد تغير العالم, بالفعل, منذ 2003 ولكن بالاتجاه المعاكس لارادة الولايات المتحدة.
لا نعرف متى سوف تنطلق المرحلة الثانية من المقاومة العراقية, ولكنها ستأتي في المدى المنظور على شكل ثورة وطنية شعبية مضادة للمذهبية وربط السياسة بالدين والنفوذ الاقليمي خصوصا الايراني. وسوف تعصف هذه الثورة بالاحتلال وبنفوذ الامريكيين في المنطقة والعالم. وسوف يدهشنا العراقيون مثلما فعلوا دائما.
لم يقاتل احد من العرب بشجاعة وقوة ومثابرة العراقيين. وهو ما سيتحول, لاحقا, الى رصيد لهم في شرعية قيادة العالم العربي. قدر العراق ان يقاتل حتى النهاية, وقدر الامبراطورية الامريكية, ان تتهشم في العراق.
ت
عنوان المقالة او الافتتاحية
اسم الكاتب
مكان النشر
2
تنظيم «القاعدة» لم يعد الخيار السياسي لسُنّة العراق
محمد أبو رمان
الحياة
تثير مسألة تمكّن تنظيم «دولة العراق الإسلامية» (المرتبط بالقاعدة) من الإطاحة برؤوس وقيادات في الصحوات العشائرية في العراق في الأسابيع الأخيرة، ونشاطه المكثف في العمليات الانتحارية سؤالاً حيوياً فيما إذا تمكنت «القاعدة» من استعادة زمام الأمور والعودة مجدداً إلى الساحة، بعد شهور من التراجع الملحوظ في النشاط العسكري وانحسار نفوذها من العديد من المحافظات العراقية التي كانت تخضع لها سابقاً؟
الإجابة عن السؤال السابق تكمن في الوقوف على السياق السياسي الذي يؤطر المجتمع السني في العراق اليوم، ما يقتضي العودة قليلاً إلى الوراء لملاحظة مسار الأحداث وتطوراتها. فبدايات عام 2007 شهدت لأول مرة حروباً إعلامية شرسة بين «دولة العراق الإسلامية» وبين الفصائل السنية المسلّحة الأخرى، في مقدمتها كتائب ثورة العشرين والجيش الإسلامي، وتمّ الكشف بصورة واضحة وصريحة عن معارك مسلّحة جرت في تلك الفترة وأدّت إلى قتلى وجرحى وصراع شديد على النفوذ في العديد من المناطق.
في الحقيقة، كانت هذه الصراعات المتفجرة بين القاعدة وبين الفصائل المسلّحة بمثابة مسمار فولاذي دقّ شقّاً بدأ بالاتساع بين القاعدة وبين حاضنتها السنية، إذ بدأ نجم «الصحوات العشائرية» بعد ذلك بالصعود بصورة متسارعة، إلى أن استطاعت هذه «المجاميع» طرد أفراد القاعدة والحد من نفوذها بصورة كبيرة وملحوظة، وباعتراف أنصار القاعدة ومؤيديها، إذ تقدِّر قراءات متعددة عدد أفراد الصحوات العشائرية اليوم بسبعين ألف مقاتل، وانحسار نشاط القاعدة بنسبة 60 في المئة.
تمتاز العلاقة بين «الصحوات العشائرية» وبين «قوى سنية» فاعلة بأنّها متشابكة ومتعانقة، وإن كان ذلك بصورة غير رسمية، فهنالك مؤشرات ومعلومات على اندماج عدد كبير من أفراد الجيش الإسلامي وحماس العراق وجيش المجاهدين وحركة جامع (وجميعها تشكل ما أطلق عليه مؤخراً «المجلس السياسي للمقاومة العراقية»)، بينما لا تزال كل من كتائب ثورة العشرين وجيش الراشدين (جبهة الجهاد والتغيير) يتخذان مساحة أبعد عن هذه الصحوات، وفي أحيان توجه هيئة العلماء المسلمين نقداً لاذعاً لها، على الرغم من الخلافات السياسية والأيديولوجية والصراعات المسلّحة التي تنشب بين هذه الاتجاه وبين القاعدة.
السياق السياسي يظهر أنّ «حصار القاعدة» وتآكل حاضنتها السنية يتسعان باضطراد في الشهور الأخيرة، على المستويات الأمنية والسياسية والاجتماعية. فنجاح الحزب الإسلامي في لعب دور كبير في صوغ الصحوات العشائرية، مع بناء ملامح تحالف جديد استراتيجي مع الجيش الإسلامي والقوى المرتبطة به، وضمان وجود دعم أميركي سياسي وعسكري واقتصادي بمثابة متغيرات كبيرة تشكل «بيئة سُنيّة» جديدة مختلفة كليا عن البيئة السابقة التي نمت وصعدت فيها القاعدة حتى باتت بهذا الحجم وبتلك القوة والنفوذ.
فالمشهد العراقي يختلف تماماً عن المرحلة السابقة؛ ويمكن ملاحظة ملامح هذا الاختلاف بتحول شطر كبير من الصراع المسلّح من الاقتتال الطائفي (سني- شيعي) إلى الاقتتال داخل الطائفة نفسها (سني- سني، شيعي- شيعي) في سياق محاولة القوى المتنافسة السيطرة على مناطق النفوذ الجغرافي لتواجد كل طائفة.
حتى اللعبة الطائفية - التي اتقنت القاعدة التعامل معها في المرحلة السابقة - انقلبت اليوم عليها. فالقوى السنية المختلفة اصبحت ترى في النفوذ الإيراني الأكثر خطراً وصاحب الأوّلية في المواجهة على الخطر الأميركي، ما يعني التحالف والالتقاء مع الأميركيين على مواجهة الإيرانيين. بينما لا تزال القاعدة تصر على أوّلية الخطر الأميركي وثانوية التهديد الإيراني أو على الأقل محاولة تحييده في هذه المرحلة، ما أدّى إلى التحول البنيوي في المشهد هو إعادة الولايات المتحدة النظر في سياساتها في العراق جاعلة «الخطر الإيراني» التحدي الرئيس بدلاً من القاعدة، مما خلق مجالاً واسعاً للقاء بين قوى سنية عراقية والولايات المتحدة، وأدّى إلى صعود فكرة «الصحوات العشائرية»؛ وهي وإن كان هدفها المعلن «تطهير المناطق السنية من القاعدة» فإنّ وراء المشهد يبرز هدف ثان وأخطر وهو بناء «ميليشيات سنية مسلّحة» في مواجهة الميليشيات الشيعية التي يحظى أغلبها بدعم وتمويل إيرانيين.
لم تعد القاعدة تمثّل اليوم الخيار السني في العراق، فقد توافرت لها الحاضنة الاجتماعية سابقاً تحت وطأة الاحتلال وتهميش السنة واستعدائهم وشعورهم بالخطر الكبير في ظل ضعف قدرتهم على مواجهة التحديات الحيوية. أمّا اليوم فليس من مصلحة السنة ولا من خياراتهم المضي قدما مع مشروع القاعدة «الأممي» ومع خطها الديني والسياسي «المتشدد». فالمجتمع السني يرى أنّ مصلحته تكمن في استثمار التناقضات السياسية الجديدة في اللعبة الإقليمية والمحلية وأن يكون طرفاً فاعلاً في لعبة الصفقات أو الصراعات مع إيران على العراق، لا أن يكون السنة خارج اللعبة بأسرها!
هذا لا يعني، بحال من الأحوال، أنّ القاعدة قد انتهت أو في طريقها إلى الزوال، فالقاعدة لا تزال التنظيم الكبير القوي الفاعل، وقد استطاعت اليوم أن تكتسب جسداً عراقياً (أكثر من 90 في المئة) من أفرادها، وأن تنتج قيادة عراقية محلية بموازاة القيادة الخارجية. وتمثل الضربات الأمنية المؤلمة التي وجّهتها القاعدة إلى قيادات «الصحوة العشائرية» مؤشراً مهماً على حيويتها وقدرتها، حيث شكّلت ما يسمى بكتيبة «الصدّيق» وهي كتيبة مدرّبة ومحترفة أمنياً لاستهداف مجاميع الصحوة، وفي الاسم استعادة رمزية لـ»حروب الردّة» التي قام بها أبو بكر الصديق، ما يتقاطع مع إطلاق القاعدة وصف «الردة الجماعية» على «مجاميع الصحوة».
مستقبل القاعدة في العراق مرتبط بدرجة رئيسة بقدرة «الصحوات العشائرية» والقوى السنية المسلّحة الأخرى على التوافق على برنامج سياسي عام وقيادة معينة خلال المرحلة القادمة، تكون ممثلة للمجتمع السني في اللعبة العراقية، وهو تحدّ بالغ الصعوبة لوجود اختلافات أيديولوجية ولتعدد الزعامات العشائرية وتتباينها في المواقف والطموحات، وإن اتفق أغلبهم على مواجهة القاعدة وإضعافها داخل المناطق السنية على المدى القريب.
ت
عنوان المقالة او الافتتاحية
اسم الكاتب
مكان النشر
3
معالجات فاشلة
وليد الزبيدي
الوطن عمان
نتذكر جميعا، كيف وزع الجيش الأميركي قبل بداية غزو العراق ربيع عام2003، نصف مليون نسخة من القرآن الكريم على الجنود الذين يشتركون في الغزو وفي الاستحضارات والدعم اللوجستي والإداريين وسواهم ، بهدف التعرف على مبادئ الدين الإسلامي ، ولم يكتفوا بذلك ، بل حرصوا على عرض فيلم الرسالة الشهير للمخرج الراحل(مصطفى العقاد) الذي يحكي قصة الإسلام منذ بداياته، وروج البنتاجون لهذين الامرين على نطاق واسع ، وافردت وسائل الإعلام الأميركية من صحافة وتلفاز مساحات كبيرة للحديث عن هذه الأمور، وتوقع الكثيرون أن يأتي الجنود الأميركيون إلى العراق ويتصرفون بطريقة تتلاءم وماشاهدوه وقرأوه عن الإسلام والمسلمين، مايضعهم في إطار السلوك القويم.
وقبل أن نقيم ذلك السلوك خلال مايقرب من خمس سنوات من احتلال العراق، وكيف تصرف جنود الاحتلال الأميركي مع الأطفال والنساء والشيوخ في العراق، نتوقف قليلا، عند البرامج الجديدة، التي تحاول الإدارة الأميركية اللجوء إليها، إذا أعلنت مؤخرا عن برنامج جديد، يتضمن الاستعانة بالكثير من الخبراء في تخصصات مختلفة، لضمان مايقولون إنه تعامل السليم مع المجتمع العراقي.
من بين هذه الاختصاصات خبراء في علم نفس الأطفال، بهدف التعامل مع جيل الصبية العراقيين، الذين يتعاملون بكثير من الحقد والكراهية ضد الجنود الأميركيين، لأن هؤلاء الصبية إما تعرضوا للضرب والإهانة والاعتقال المؤقت أو الطويل على أيدي جنود الاحتلال، أو شاهدوا سلوك هؤلاء الجنود وهم يقتحمون البيوت الآمنة، وينهالون بالضرب والركل والبصق على الشيوخ والنساء، واعتقال الكثيرين بعد وضع غطاء الرأس وربط الأيدي ورميهم داخل العربات المصفحة، كما أن هؤلاء الصبية، سمعوا الكثير من القصص، التي رواها الآباء والأقارب عن بشاعة التعذيب والتعامل الوحشي، الذي تعرضوا له داخل معسكرات الاعتقال أو في السجون الأميركية الكبيرة، ومن أشهرها سجن أبو غريب وبوكا ومعتقل المطار وغيرها.
كل ذلك السلوك والتصرفات أوجدت شخصية عراقية صلبة قوية عند هؤلاء الصبية، تنطلق من قناعة راسخة، تؤكد أن الجيش الأميركي هو العدو الذي يجب التصدي له.
على الطرف الآخر، تربى هذا الجيل على قصص يومية يتداولها العراقيون شفاهة ويتحدثون بها في مجالسهم، تحكي أشكال البطولة والشجاعة، التي يتحلى بها مقاتلو المقاومة في العراق، وهم يشنون الهجمات ضد قوات الاحتلال للانتقام من جنوده، والأصرار على طرده من أرضهم وتحرير شعبهم من هذه الوحوش ،التي ترتكب مختلف الجرائم بحق الأهل والأقارب في كل مكان.
هذا كله يوجد روحا مقاومة لدى الصبية، ويجعلهم أندادا حقيقيين للجيش الأميركي، وهذا الأمر يشكل كابوسا مرعبا للأميركيين، الذين يمنون النفس ببقاء طويل الأمد في قواعد عسكرية داخل العراق، لكنهم في الوقت نفسه، يقرأون شراسة الجيل الذي يكن لهم الكراهية، ولن ينسى هؤلاء جرائمهم بحق العراق والعراقيين. ولذلك فإن معالجاتهم تبقى فاشلة والحل يكمن برحيلهم عن العراق.
wzbidy@yahoo.com
ت
عنوان المقالة او الافتتاحية
اسم الكاتب
مكان النشر
4
في وداع العام 2007م
محمد بن سعيد الفطيسي
الوطن عمان
نحن نمشي , وحولنا هاته الأكوان تمشي ,000ولكن لأية غايــة ؟نــحن نتلـــو رواية الــكون للمـوت , ولـكن مــاذا ختام الــرواية ؟
هكذا قلت للرياح فقالت :" سل ضمير الوجود : كيف الـبداية ؟"
ها أنت أيها العام 2007 قد مضيت إلى حال سبيلك , رحلت كما هو حال الأعوام والسنين قبلك إلى كتب المجهول والتاريخ , ومضيت إلى عالم لم يبق فيه منك معنا , سوى ما تركته وراءك من آثار وأحداث وما أكثرها , فقد كنت فصلا من فصول رواية كونية طويلة , رواية الموت والحياة , رواية الفناء والبقاء , وتعاقب الليالي والأيام , وصراع أزلي ممتد فيما بين الفراغ الهائل في هذا الكون اللامتناهي , وما بين جنبات ما حوته أقفاصنا الصدرية نحن بني البشر, كتبت بقدر معلوم , وأديت دورك كما ينبغي لك في تلك الرواية الأبدية , لتضع أقدامك بعدها على جزر الماضي في عالم الأقدار , فوداعا بقدر الألم والأسى الذي خلفته وراءك ليل نهار, وبقدر آثار بصماتك على رفات الأحياء والأموات , وبقدر ما جرى من دموع على خدود الثكالى من الأمهات , والأطفال اليتامى والبؤساء والمحرومين في كل أرجاء المعمورة.
نعم ... هي كلمات تأبين لهذا الراحل عنا إلى الأبد , فما هذه الحياة سوى دقائق وثوان , ورواية كبيرة تتناقص بمضي فصولها ورواتها , ليبقى على مسرح الحياة شواهد مما بقي منها فقط , وهو ما سنحاول في سطورنا القادمة أن نمر عليه مرور الكرام , مسلطين الضوء على أبرز أحداثه ومتغيراته الإقليمية منها والدولية , والتي كان لها أبرز الأثر في تغيير خارطة العالم السياسي منها والاقتصادي , على أمل أن نروي للعالم روايتنا الخاصة , ونجمع لمن سيأتي بعدنا أنفاس تنهيدات ما مضى من رواية هذا العام المنصرم , ونؤرخ للأجيال الإنسانية القادمة أبرز أحداث هذا العام , فقد كان له ما بعده , ولنا ما خلفه من آثار ستبقى شواهد حاضرة على جبين البشرية إلى الأبد , حيث لم يختلف هذا العام كثيرا عمن سبقه من أعوام هذا القرن الدموي , فقد ظل مجرد امتداد لفلسفة التبادل الأزلي لمجريات الحياة , فما من عام يمضي إلا ويترك للبشرية في العام الذي سيتلوه شيئا من مرارته ومآسيه , فلا يكون العام الجديد سوى مستلم لعهدة العام المنصرم , وامتداد لظل أحداثه وكوارثه.
ورغم انه كان للمتفائلين وجهة نظر خاصة به قبل قدومه , امتزجت بالأمل والسلام والمحبة والاستقرار والطمأنينة , وهو حال طبائع البشر بوجه عام , وذلك مع تقادم الزمن وتبدل الفصول وتعاقب الأعوام , وستبقى كذلك حتى تنتهي هذه الرواية الكونية , ولكن - وللأسف - فقد تغيرت تلك النظرة التفاؤلية مع قلب صفحاته الأولى , لتتضح الصورة الحقيقية لوجه هذا العام , فرغم الاكتشافات العلمية والثورة الطبية والتقدم في علوم الفضاء وغيرها من الاكتشافات التي تخدم البشرية , إلا أن كل ذلك قد تبدد مع موجات القتل والإبادة الجماعية والتفجيرات الإرهابية والفوضى في السياسات العسكرية , والانهيار في الاقتصاد العالمي وتراجع دور الإنسان أمام الثورة الحجرية والصناعية والتكنولوجية , وازدياد البؤس والفقر والمجاعات والكوارث الطبيعية وغيرها الكثير من الأحداث والتحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية , والتي شكلت الصورة المأساوية السابقة للعام 2007 م.
وبداية من عالمنا العربي الغارق في خلافاته السياسية وأزماته الاقتصادية , ننطلق من فلسطين العربي المحتل , أرض الطهر والرسالات , والذي سيغادره العام كما غادرته الأعوام السابقة , وهو قابع تحت وطأة الظلم والاستبداد الصهيوأميركي الغاشم , والذي لم يفرق في إرهابه ما بين طفل رضيع وشيخ كبير وأم ثكلى , وإجرام عشوائي لا يميز بين قداسة مكان وحرمة زمان , واعتداءات سافرة على مدينة السلام والحب والطهر الأبدية والتاريخية ـ القدس الشريف ـ وعلى وجه التحديد تجاه المسجد الأقصى ، وقضايا مصيرية معلقة , تحمل بين طياتها عجز الإرادة السياسية العربية " إلى الآن " , واعوجاج القانون الدولي ومنظماته الحقوقية والإنسانية , والمحزن في كل ذلك , من انه وبالرغم من كل ذلك , فلا زال الإخوة في هذا الوطن المسلم العربي الغالي , متشرذمين ومتفرقين ما بين صراع المراكز والسلطة والأهواء الشخصية.
وهذا العراق الحبيب أرض العروبة والحضارة والإباء , يمضي به قطار الاحتلال الصهيوأميركي الظالم كذلك , طاويا وراءه رواية هذا العام إلى اجل لا نعلم مستقره ومنتهاه , جارفا معه الآلاف من الضحايا الأبرياء , من أطفال ونساء وعجائز ومسالمين, والذين لم يكن ذنبهم في هذه الحياة سوى أنهم وجدوا في زمن فقدت فيه الإنسانية مكانتها وحرمتها وكرامتها , وإلا فما يعني أن تتحول الديمقراطية المزعومة , والتي روجت لها الولايات المتحدة الأميركية إلى نزف في أرواح الشعب العراقي المسلم وممتلكاته وثرواته , وتنتهك باسمها سيادته وأراضيه , وأمام أنظار المجتمع الدولي , وما من حراك عربي ملموس ولا أممي محسوس , يوقف ذلك الاستنزاف في الأرواح والممتلكات , وها هو العراق وبعد نصف عقد تقريبا من دخول ارتال الدبابات الأميركية الغازية إليه , وهي تحمل - حسب وجهة النظر الأميركية - الحرية والعدالة والديمقراطية , يرزح تحت وطأة الفوضى الهدامة والإرهاب ويعيش أهله في حالة من البؤس والفقر والخوف والإبادة الجماعية , وبطرق لا تختلف كثيرا عما سبق ذكره , تعيش بقية دولنا الإسلامية والعربية مثل ذلك , فمنها ما يعصف به التشرذم والتناحر والتفرق والاقتتال والفوضى , ومنها ما يعيش تحت وطأة الفقر والخوف والأزمات الاقتصادية والسياسية.
وبالطبع فبقية دول العالم بدون استثناء قد نالت نصيبها من أحداث العام 2007 م , بداية بالكوارث الطبيعية التي خلفت وراءها العديد من الضحايا الأبرياء , وكما أننا نلوم الطبيعة ونرجع ذلك لغضبها , فان للإنسان دخل لا يقل عن دور الطبيعة نفسها فيما تقوم به من اجتثاث وإبادة جماعية للجنس البشري , حيث يعتبر الاحتباس الحراري على سبيل المثال ، والذي آل إلى زيادة درجات الحرارة في مختلف مناطق العالم , وما واكبها من تداعيات سلبية على جبال الجليد وذوبانها، أسوأ كارثة مسؤول عن إشعالها الإنسان بصورة مباشرة ، ورغم انه احد امتدادات السنوات الماضية , إلا أن الإنسان لا زال عاجزا إلى يومنا هذا عن النظر بعين البصيرة إلى خطر هذه الكارثة التي تحيق به , وخصوصا تلك الدول الصناعية منها , والتي تتحمل المسؤولية الكبرى في وقوع هذه الكارثة , هذا بخلاف الفيضانات والعواصف والأعاصير وموجات الجفاف والحر , والتي كان أسوأها ما وقع في المكسيك مما أدى إلى إغراق مناطق "تاباسكو" و"شياباس" بصورة شبه كاملة , وما وقع في خليج "بنجالا" وألحق ببنجلادش أضراراً جسيمة بسبب الفيضانات الناتجة عن غزارة الإمطار , أما في الجانب الآخر من الطبيعة المتغيرة , فقد كان للجفاف وما ينتج عنه من تفشي ظاهرة "التصحٌر" وموجات الحر , مشكلة أساسية تعاني منها بقية الكرة الأرضية , وخصوصا تلك التي استهدفت المناطق الجنوبية الشرقية في الولايات المتحدة الأميركية وأجزاء عديدة من أفريقيا وبعض مناطق أوروبا , والتي بدورها تتسبب سنويا بموت الملايين من الضحايا في تلك الأراضي المتضررة من الجفاف , والتي نال فيها الإنسان وحياته في العام 2007 نصيب لا يقل عن الأعوام السابقة.
وبعيدا عن الطبيعة فقد كان للمتغيرات الجيواستراتيجية العالمية والتحولات السياسية الدولية أثر بارز في تغيير خارطة العالم خلال العام 2007 م , ومن أبرز وأهم ما يمكن الإشارة إليه في هذا الجانب هو انتخاب نيكولا ساركوزي رئيسا لفرنسا بعد تغلبه على منافسته سيجولين رويال بنسبه 53% في الانتخابات الرئاسية الفرنسية بتاريخ 3 / مايو , وما أحدثه ذلك من انقلاب على صعيد السياسة الفرنسية تجاه عدد من القضايا الدولية , و استقالة طوني بلير من منصب رئيس الوزراء البريطاني واستلام جوردن براون خلفاً له بتاريخ 27 / يونيو , وتنازل الرئيس الباكستاني عن زيه العسكري الذي لازمه لفترة زمنية طويلة , وانتصار الإسلاميين في تركيا بانتخاب عبد الله جول رئيسا لتركيا , وانعقاد مؤتمر أنابوليس بالولايات المتحدة الأميركية بتاريخ 27 / نوفمبر , والتقرير ألاستخباراتي الأميركي تجاه الملف النووي الإيراني , والذي قلب موازين ذلك الملف رأس على عقب , لدرجة تغيير لغة الخطاب السياسي الأميركي تجاه الجمهورية الإسلامية الإيرانية بدرجة غير متوقعة , وأخيرا وليس آخرا اغتيال رئيسة وزراء باكستان السابقة بناضير بوتو بتاريخ 27 / 12 / 2007 م وبشكل مفاجئ.
كما شهد ملف محاربة الإرهاب , وهو الملف الذي نعتبره احد امتدادات اللعبة السياسية العالمية , وصراع المصالح والهيمنة على رقعة الشطرنج الدولية , فقد ظل كما هو في العام 2007 م , الشغل الشاغل لمختلف دول العالم في مختلف أرجاء المعمورة , في وقت لم تحقق فيه تلك الدول التي تسعى لاحتوائه - كما تدعي - أي خطوة محسوبة إلى الأمام , فقد ظلت زمره الشيطانية تحصد الأرواح البشرية المسالمة في مختلف أرجاء الأرض وبدون استثناء , لتشكل بتلك الجرائم أهم صور الإرهاب الناتج عن الخلافات الأيديولوجية والانعكاسات النفسية وجنون البشرية الحاقدة المريضة , وإرهاب الدول الامبريالية المستعمرة والعصابات الإجرامية , كما هو حال المستعمرة الإسرائيلية الكبرى في فلسطين , وما تقوم به بعض الأطراف الخارجية والداخلية في العراق الحبيب , والذي نتج عنه عدد من التفجيرات الاستثنائية في هذا الوطن العربي المغتصب , كتفجير جسر الصرافية في بغداد , وتفجير كربلاء بتاريخ 15 / ابريل , هذا بخلاف العمليات التي تقع كل يوم في ذلك الوطن العزيز , والذي يقضي نتاجها عشرات الضحايا الأبرياء من المدنيين , والذين تجاوزوا ما يقارب الــ 20 ألف حتى نهاية هذا العام , بمتوسط 65 في اليوم الواحد مقارنة ب33 في العام الماضي وذلك بحسب وكالة الأسوشيتد برس , مع عدم تناسي التفجيرات الإرهابية الأخرى كمذبحة جامعة فرجينيا الأميركية , والتي أسفرت عن مقتل 33 شخصا , وتفجيرات الجزائر العاصمة والتي أدت لمقتل حوالي 23 شخصا , و تفجير آخر في الدار البيضاء وباكستان على سبيل المثال لا الحصر.
أما على المستوى الاقتصادي , فقد شهد العالم في العام 2007 م ابرز متغيراته منذ مطلع القرن الحادي والعشرون, بل وأخطرها منذ حرب الخليج , حيث شهد ارتفاعات قياسية في أسعار النفط كان آخرها يوم 21 نوفمبر, عندما بلغ الخام الأميركي الخفيف 99.29 دولار للبرميل , كما كان لهبوط الدولار الأميركي أمام العملات الرئيسية وأزمة الرهن العقاري بالولايات المتحدة الأميركية , دور كبير في تفاقم أزمة الاقتصاد الأميركي على وجه الخصوص والعالمي بوجه عام , مما أدى بدوره إلى بروز عدد من التبعات الاقتصادية الناتجة عن كل تلك التحولات في مختلف أرجاء العالم , أهمها ارتفاع مستويات التضخم وخاصة في تلك الدول التي تربط عملتها بالدولار , وخصوصا بعد انخفاض العملة الأميركية أمام نظيرتها الأوروبية إلى مستوى قياسي , حيث بلغ اليورو 1.4966 دولار، وهو أعلى مستوياته على الإطلاق مما أدى بطبيعة الأمر إلى ارتفاع أسعار العديد من المنتجات والسلع الاستهلاكية , وهو ما دفع المعهد الدولي لأبحاث سياسات الغذاء إلى دق ناقوس الخطر حيال توقع مواجهة العالم نقصا في المواد الغذائية , لاستهلاكه غذاء أكثر مما ينتج , وقال المعهد إن أسعار المواد الغذائية قد ترتفع لسنوات بفعل عوامل منها التوسع في زراعة محاصيل لإنتاج الوقود الحيوي وعلى رأسها الإيثانول والتغيرات المناخية , - وللأسف - فانه بالرغم من الآمال المعقودة على العام 2008 م , للتخفيف من وطأة تلك التغيرات الراهنة على الصعيد السياسي والاقتصادي , فان التوقعات تشير إلى عكس ذلك , وأبرزها تلك التي تتوقع ارتفاع مستوى العنف والحروب والاضطرابات والفوضى , فضلا عن تزايد الكوارث الطبيعية كالفيضانات والأعاصير والزلازل والانفجاريات البركانية , واستفحال ظاهرة الإرهاب الناتج عن الطائفية والعنصرية والقومية.
ت
عنوان المقالة او الافتتاحية
اسم الكاتب
مكان النشر
5
انسحابات أميركية وشراكات عراقية
كاظم الموسوي
الوطن عمان
قبل توالي الأعياد والسنة الجديدة وتوقع مفاجأة زيارة الرئيس الأميركي بوش للعراق بين الدول التي أعلن التجول فيها بالمنطقة تصاعدت من أكثر من طرف مصطلحات انسحابات أميركية من العراق وقابلتها أيضا مصطلحات شراكات مع أميركا في العراق. بالتأكيد بين المصطلحين أو المسمين اختلافات كبيرة ولكن في الزمن الأميركي الحالي لا غرابة ولا مفاجأة في مثل هذه الأمور. في العراق المحتل، الانسحاب اضطرار بينما الشراكة اختيار، وليس بينهما مقاربات إلا إذا كان الهدف هو مساعدة الإدارات الأميركية للخروج من الورطة العراقية والتفرغ لما بعد "الصحوة" المشتركة. أو استمرار الخطط الاستراتيجية الأميركية في حرثها على أرض النفط والغاز والحضارات، والمحافظة على مشاريعها الرئيسية باختلاف التسميات أو المصطلحات، والتهرب من حكم التاريخ.
كان الحديث عن الانسحابات قد تردد على لسان الوزير روبرت جيتس وآخرها في مؤتمره الصحفي بمناسبة نهاية العام: "اعتقد أن الوضع على الأرض يجعل من المرجح أن يتمكن الجنرال ديفيد بترايوس من اتخاذ قرار بإعادة أول خمس فرق بحلول يوليو" المقبل. وأضاف أن "أولى هذه الفرق ستنسحب خلال الشهر الجاري وأمل في استمرار تحسن الأوضاع على الأرض". وان التحدي في العام المقبل سيكون "الحفاظ على المكاسب التي حققناها". وترددت أصداء التصريح لدى اكثر من مسؤول أميركي أو عراقي. وبين اسطره مرر قرار موافقة الحكومة العراقية على تمديد فترة بقاء القوات الأجنبية في العراق عاما آخر بطلب إلى مجلس الامن الدولي وصدر القرار بذلك خلسة رغم اجتماع مجلس الامن الدولي، الذي يكفي اسمه شاهدا في مثل هذه القضايا. وقبل أن تصدر ردود الأفعال حول شجبه أو استنكاره لفظيا على الأقل تصاعدت مسميات المشاركة مع أميركا في الأوساط الرسمية وغيرها في العراق، ولم تجابه طبعا بأية معارضات من الأطراف المتفقة على الامر قبل إعلانه، كما اعتادت على ذلك حين تعلنه أو يصبح معلنا بدون علمها. كما هو الحال مع ما سمي بالاتفاق الاستراتيجي بين الحكومة العراقية والولايات المتحدة الأميركية والتوقيع عليه عبر دائرة تلفزيونية، مغلقة طبعا.
أكد البنتاجون تصريحات وزيره، في تقرير له، موضحا أن استراتيجية الانسحابات تحقق نجاحا والقوات الأميركية حققت "تقدما كبيرا في مجال الامن" في العراق خلال الاشهر الثلاثة الماضية مع انخفاض عدد الهجمات بنسبة 62 بالمئة. ووضح البنتاجون سبب التقدم باستراتيجية زيادة القوات التي بدأت مطلع 2007 إضافة إلى ازدياد فعالية قوات الأمن العراقية والسياسة الأميركية الجديدة بتعبئة العشائر العربية ضد عناصر القاعدة، بما سميت بمجالس الصحوة وتسليحها و"رشوتها" بالمال وبغيره. إلا أن التقرير استدرك وأشار إلى انه: "لا يزال يتعين عمل المزيد لدعم المصالحة للمحافظة على المكاسب". وأمل جيتس في أن يسمح تحسن الأمن في العراق "بخفض عدد الجنود بالوتيرة نفسها التي يمكن أن تسجل في النصف الأول من العام". وأضاف انه في حال استمرت الانسحابات، ستكون عشرة ألوية غادرت العراق بنهاية ولاية الرئيس الأميركي جورج بوش في يناير 2009.
والغريب، (ولماذا الغرابة هنا؟)، أن الرئيس العراقي، رئيس العراق كله، قابل هذه الأقوال والتأكيدات بالتصريح عن شراكة مع القوات الأميركية المتبقية في العراق، ولكن في كردستان العراق ، كما أورد الناطق باسم التحالف الكردستاني الذي كشف ان الرئيس العراقي جلال الطالباني قد يفصح عن "خارطة طريق" حول مستقبل العلاقات العراقية - الأميركية، بداية السنة الجديدة، وأكد أن حكومة إقليم كردستان العراق لا تمانع في وجود قواعد أميركية دائمة على أراضيها (ماذا تعني هذه التصريحات؟، من يحكم العراق ومن يقرر فيه مثل هذه الاتفاقيات؟). وفي الوقت نفسه علق على تسلل الوزيرة الأميركية إلى كركوك بعدم تجاوب مجموعته ممن سماهم بالمسؤولين العراقيين مع طروحات كوندوليزا رايس خلال زيارتها الأخيرة إلى العراق، وأضاف لذلك قد تقوم رايس بزيارة أخرى الشهر المقبل، ويمكن حسب توقعات صحافية العودة مع بوش، وحينها ستطرح أمامها مسالة المشاركات وغيرها طعما لقضايا كركوك والمصالحة وغيرها من الشؤون الداخلية، المركزية والمحلية، حسب اختيار أو اتفاق مجموعات العمل السياسي المترافقة مع التواجد العسكري الأميركي خصوصا.
ورغم كل هذه التطورات لم يشارك قائد القوات الأميركية في العراق الجنرال ديفيد بترايوس وزيره ولا رئيس جمهورية العراق!، معترفا في حديث إلى شبكة "فوكس نيوز" بأن ما تحقق يظل متواضعا وهشا في مجالات عدة وأشار بترايوس إلى "أن هجمات المسلحين وخسائر الجيش الأميركي تراجعت في شكل ملحوظ في الأشهر الأخيرة، ما يتيح سحب خمس وحدات مقاتلة العام المقبل". لكنه تدارك أن الاتفاق السابق مع وزير الدفاع روبرت جيتس الذي يلحظ انسحابا إضافيا يظل "غير مشروط" ويتوقف على استمرار تراجع أعمال العنف. وبترايوس هو القائد الاعلى على الأرض وكلامه نابع من التجربة والواقع الذي يعيشه يوميا ويسجله في تقاريره المتواصلة، والتي تعبر عنها بشكل آخر تلهفات المسؤولين العراقيين لبقاء قواته معهم، في قواعد ثابتة ومقرات دائمة، ويا حبذا قرب بيوتهم ومقرات عملهم، ليستمروا في وظائفهم وليقرر غيرهم مصير البلاد والعباد وهم في دائرة المسؤولية والمناصب والتصريحات، بدون قراءة للتاريخ القريب وتذكر وثبة كانون وأسبابها وقصص نوري السعيد وصالح جبر مثلاً.
لقد فشل الحزب الديمقراطي في تحقيق الشعارات التي منحته أكثريته في الكونجرس والشيوخ وابرزها وقف الحرب وسحب أو إعادة توزيع القوات وتخفيض ميزانياتها، وأخفقت الإدارة في إعلان رقصة النصر مبكرا، وعلى منوالهم ظلت التصريحات متبادلة بين انسحابات وشراكات، وستاتي الأيام بالخبر اليقين.
ت
عنوان المقالة او الافتتاحية
اسم الكاتب
مكان النشر
6
عام الفوضى الخلاقة..؟!
افتتاحية
الوفاق الايرانية
انتهى عام ۲۰۰۷ الذي كان مشحونا بالاحداث والتطورات ليبدأ عام جديد يكتنفه الغموض في كثير من زواياه.
فمع بدء العام الجديد بقت الازمات الاقليمية على حالها، لا بل تفاقمت الصراعات حدة بسبب تشابك خيوط المؤامرة على الساحة الاسلامية بدءاً من باكستان وافغانستان شرقا حتى السودان وموريتانيا غربا، مرورا بالعراق ولبنان وفلسطين، ولم تكن اهداف العام المنصرم الا استمرارا لوقائع وذيول خلفتها الاعوام السابقة، كما لن تكون نهاية للمأساة التي ستبقى اصداؤها متواصلة بسبب استمرار المشروع.
وفي قراءة سريعة للوقائع، فان هناك ملفات بارزة في مقدمتها الملفان الفلسطيني والعراقي، اللذان يعانيان من تجاذبات خارجية وفتن داخلية، فالاول لازال تحت رحمة المشروع الصهيوني الذي كشف عن بعض عناوينه في مؤتمر انابوليس وبدأ يستكمل فصوله لتكون أداة للتطبيع مع الاحتلال بعد الفشل في الاساليب الحربية.
اما الثاني، فانه يدفع المشروع الامريكي الذي اراد للعراق ان يبقى مشتعلا من الداخل، ويتيح للغزاة استغلال ثرواته دون رادع، رغم انهم سيواجهون بعض الاخطار بسبب الرفض العراقي للاستفراد الامريكي.
اما الملف اللبناني الذي يدفع هو ايضا ثمن صموده في وجه الاعتداء الاسرائيلي، ولا زال يتنقل بين دهاليز الغرب ومطامع الكيان الصهيوني، حيث يحول دون توصل الاقطاب اللبنانية الى التوافق الناجز او كاد يدخلهم في صراعات داخلية وحروب أهلية، كما سبق لهذا البلد ان دفع اثمانها.
اما افغانستان، فلا زالت أسيرة لجحافل الغرب الذي لا يريد لها الا قاعدة للتمدد الغربي نحو شرق آسيا، فيما باكستان هي الاخرى تحترق برياح نفس المشروع الاقليمي للولايات المتحدة (الفوضى الخلاقة)، وكأنها تدفع ثمن جريمة لم ترتكب، وهي احداث ۱۱ سبتمبر والتي يكتنف الغموض اهدافها ومنفذيها.
بذلك لا يتوقع ان يبدأ العام الجديد بهدوء اكثر من سابقاته، بل يتوقع ان يكون مليئاً بالتطورات والاحداث، الا اذا تمكن العالم الاسلامي من استعادة وحدته.
ت
عنوان المقالة او الافتتاحية
اسم الكاتب
مكان النشر
7
الصورة قاتمة، أو مخيفة
جهاد الخازن
الحياة بريطانيا
جورج بوش دخل البيت الأبيض وهناك فائض في الموازنة بمبلغ ترليون دولار، وسيترك الحكم وهناك عجز يزيد على ترليون دولار، ومع ذلك وعلى رغم وضوح الأرقام فهو في مؤتمره الصحافي الأخير هذه السنة وبّخ الكونغرس على إسرافه.
الرئيس شكا تحديداً من اضافات على الموازنة، يسمونها Earmarks، يزيدها عادة الأعضاء على الموازنة مقابل التصويت لها، وتكون لمشاريع في ولاياتهم أو تهمّهم شخصياً. وقال بوش إن الكونغرس سحب بعض أسوأ الاضافات، الا أن حوالى 12 ألف اضافة بقيت والكونغرس يقر موازنة للحكومة الفيديرالية بمبلغ 555 بليون دولار، إلا أن الاضافات كلها لا تتجاوز 22 بليون دولار، وعلى مشاريع محلية مفيدة.
الرئيس تسبب في عجز قياسي في كل سنة من السنوات السبع الماضية ثم جاء ليتهم الكونغرس بالإسراف، ما يذكرني بمثل معروف بالانكليزية عن الابريق الذي يعيّر المقلاة بالسواد، فسياسته الاقتصادية مقرونة بالحرب على الارهاب، نكبت الاقتصاد والدولار، وتسببت في أزمات لدول لا علاقة لها بالرئيس أو أي سياسة له.
مركز السيطرة على السلاح ومنع انتشار الأسلحة يقدر نفقات الحرب في افغانستان والعراق بحوالى 700 بليون دولار، أي أنها تجاوزت نفقات حرب فيتنام، وبلغت ضعفي نفقات حرب كوريا، وسبعة اضعاف حرب تحرير الكويت، بعد حساب تغيّر قيمة العملة على مر السنين. ويقدر المركز أن حكومة بوش انفقت هذه السنة 137.6 بليون دولار، ويقول إن هذا المبلغ كان سيوفر رعاية صحية لحوالى 39 مليون مواطن، أو ما يكفي لبناء نصف مليون مسكن رخيص الثمن، أو تجهيز 142 مليون بيت أميركي بمصادر طاقة قابلة للتجديد (مثل أشعة الشمس).
المقارنات السابقة تصبح لا معنى لها إذا حسبنا النفقات النهائية الحقيقية للحرب، فالعناية بالمصابين والمقعدين، والتعويضات لهم والمرتبات عبر 20 سنة مقبلة سترفع المبلغ حتى ترليوني دولار أو أكثر، بحسب دراسات أميركية.
كنت أراجع ما جمعت من معلومات من مصادر أميركية عندما وقعت صدفة على تحقيق نشرته «نيويورك تايمز» عشية عيد الميلاد عنوانه «الأسنان في كنتكي: حصاد الفقر والإهمال» وضم معلومات لا تصدق عن الفقر في أغنى بلاد العالم وأقواها عسكرياً واقتصادياً. التحقيق حكى قصة بنت أميركية في الرابعة عشرة لا ترفع رأسها لأنها فقدت معظم أسنانها بسبب سوء التغذية. وقرأت ان رجلاً مسنّاً قلع أسنانه الخربة بنفسه لأنه لا يملك أجر طبيب، وأن نسبة عالية من الذين تجاوزوا 65 عاماً لا أسنان لهم، ولا يملكون ثمن أسنان اصطناعية، وأن المخدرات والخمر وعادة مضع التنباك تفتك بأسنان المواطنين في الولاية حيث نصف الناس من دون تأمين طبي على الأسنان.
كنت أعتقد بأنني أعرف أميركا التي أقمت فيها سنوات، وأن أخبار الأسنان هي من نوع لا يوجد إلا في افريقيا جنوب الصحراء، غير أنني لا أعرف أميركا جورج بوش على ما يبدو، فالانتخابات النصفية كانت تصويتاً على سياسة الرئيس الداخلية والخارجية، وخسر الجمهوريون السيطرة على مجلسي الكونغرس، ومع ذلك فقد استعمل الرئيس بوش الفيتو والأوامر الإدارية ليفرض إرادته على رغم تخلي الشعب عنه.
والنتيجة أن مشاريع بوش الداخلية سقطت، من اصلاح الضمانات الاجتماعية الى الهجرة الى اصلاح التعليم. أما الحرب على الارهاب، فقد زادت الارهاب حول العالم على رغم إنفاق البلايين، وربما الترليونات التي شرحتها في الفقرات السابقة.
لست هنا لأحاسب ادارة بوش على أي سياسة «أميركية»، فهذا شأنه مع الناخبين الأميركيين، وأنا أكتفي بما يصيبنا من سياسة ادارة بوش، وتحديداً ما يصيب العراق وأهله.
الادارة الأميركية تزعم أن زيادة القوات نجحت، وأن الوضع حسن ويسير نحو الأحسن. هل هذا صحيح؟ عدد القتلى والجرحى هبط فعلاً، إلا أننا لا نزال نسمع يوماً بعد يوم عن 20 قتيلاً هنا و30 هناك أو 40 كأن هذه أرقام مقبولة، وعن عمليات انتحارية وتوتر طائفي مستمر، بعد أن أقيمت جدران تفصل أحياء بغداد وغيرها على أساس سنّة وشيعة.
الاحتلال ألقى بثقله في البداية مع الشيعة، وهو تحول أخيراً نحو السنّة، وبدأنا نسمع عن ميليشيات مجالس الصحوة في وجه ارهاب القاعدة وهو ارهاب وحشي يجب تعاون الجميع لدحره.
إلا أنني أخشى أن تكون الادارة الأميركية تسلح الميليشيات السنية والشيعية لتقتتل هذه في النهاية، فكلها يملك المال والسلاح والكره اللازم، والأميركيون ينفقون على الجانبين، فالبلد منقسم طائفياً، منذ انشاء مجلس الحكم على أساس طائفي، ووصولاً الى الانتخابات البرلمانية الأخيرة التي أفرزت برلماناً طائفياً لا تكاد كتله المختلفة تتفق على شيء.
والصورة لا تكتمل من دون اشارة الى قوات الأمن الخاصة التي يقدر مكتب المحاسبة (المساءلة) الحكومي الأميركي عدد أفرادها بحوالى 48 ألف مسلح، وربما كانوا حوالى مئة ألف، أي جيش آخر يضاف الى قوات الاحتلال الأميركية والميليشيات، ومع وجود 30 ألف عراقي في معتقلين أميركيين قرب البصرة وبغداد، قال ضباط أميركيون انهما يفرخان مقاومة أو إرهاباً.
الصورة قاتمة، أو مخيفة، من واشنطن وكنتكي الى العراق، ولا ايجابية واحدة سوى اننا مع السنة الأخيرة لجورج بوش في الحكم.
ت
عنوان المقالة او الافتتاحية
اسم الكاتب
مكان النشر
8
العــراق بـين تدليس العمــلاء وتـدنيس المحتلــين‮!‬
د. فيصل الفهد
الوطن البحرين
رغم كل التداعيات التي‮ ‬ستخلفها حادثة اغتيال بنظير بوتو زعيمة المعارضة الباكستانية إلا أن ذلك لا‮ ‬يعدو أن‮ ‬يكون حدثاً‮ ‬جانبياً‮ ‬إذا ما قورن بما تسببه تداخلات الوضع في‮ ‬العراق المحتل مع الانتباه الشديد لقوة الترابط بين ما‮ ‬يجري‮ ‬في‮ ‬العراق وأفغانستان وضلاله على مستقبل الباكستان وإيران ودول أخرى لاسيما ونحن نتناول عن بلدان متنوعة إلا أن ما‮ ‬يجمعهم سله واحدة‮.‬
ولا‮ ‬يمكن لأي‮ ‬متتبع للأحداث أن‮ ‬يهمل ما أثارته التصريحات الأخيرة للطالباني‮ ‬من زوبعة إعلامية عندما تناول قضيتين مهمتين،‮ ‬أولهما إعلانه عن اتفاق جديد قديم مع الهاشمي،‮ ‬والقضية الثانية إلغاؤه اتفاقية الجزائر،‮ ‬ورغم البون الشاسع بين القضيتين إلا أن عملية رميهما على وسائل الإعلام مرة واحدة وفي‮ ‬هذه الأيام‮ ‬يحمل دلالات ومعاني‮ ‬تجبرنا الوقوف عندها حتماً،‮ ‬رغم أننا كمتابعين للشأن العراقي‮ ‬لا نفاجأ من مثل هكذا تصرفات من الطالباني‮ ‬والبارزاني‮ ‬على حد سواء لما‮ ‬يحفل تاريخهما من قدرة على التنوع والتبدل والتغير الذي‮ ‬يصل في‮ ‬كثير من الأحيان إلى تغيير اتجاههما‮ ‬180‮ ‬درجة،‮ ‬وكل ذلك‮ ‬يجري‮ ‬تبعاً‮ ‬لمصالحهما الذاتية البحتة أكثر من المصالح الكردية التي‮ ‬يدعي‮ ‬الاثنان أنهما‮ ‬يدافعان عنها كذباً،‮ ‬وقد‮ ‬يقول قائل إن هذه هي‮ ‬سمات السياسة في‮ ‬هذا العصر‮ (‬لا توجد عداوات أو صداقات دائمة بل هناك مصالح دائمة حسب المصطلح البريطاني‮)‬،‮ ‬ومع ذلك نقول إن الطالباني‮ ‬والبارزاني‮ ‬في‮ ‬سرعة تقلباتهما ابتعدا كثيراً‮ ‬حتى عن جوهر هذا المفهوم،‮ ‬فهما في‮ ‬علاقاتهما مع الاخرين أشبه بالمرأة التي‮ ‬تجلس في‮ ‬بيتها ويأتيها خصومها ويعرضون عليها عطاياهم فتأخذ كل شيء ولا تعطي‮ ‬أي‮ ‬شيء،‮ ‬بل وتتنكر لما سبق أن تعهدت به مع الآخرين؟‮!‬
لقد سبق للطالباني‮ ‬والبارزاني‮ ‬أن اتفقا قبل فترة مع المالكي‮ ‬والحكيم وهذا الاتفاق لم‮ ‬يكن وليد لحظته بل إنه امتداد لعلاقاتهم وعمالتهم التي‮ ‬ترجع إلى فترة سيطرة الملالي‮ ‬على النظام في‮ ‬طهران وقيام الحرب العراقية الإيرانية حيث كانت أحزاب الأشخاص الأربعة تنعم بالدعم الإيراني‮ ‬لمساندتها لإيران في‮ ‬عدوانها على العراق وقد‮ ‬يفهم هذا الاتفاق‮ (‬مع الهاشمي‮) ‬من البعض على أنه رد فعل وضغط باتجاه إيران للضغط على المالكي‮ ‬والحكيم للإيفاء بما سبق وأن تعهدا به للطالباني‮ ‬والبارزاني‮ ‬في‮ ‬قضيتي‮ ‬كركوك وسرقة نفط العراق‮.‬
ولم‮ ‬يكن الاتفاق‮ (‬الرباعي‮) ‬قبل أشهر بعيداً‮ ‬عن حزب الهاشمي‮ ‬وقد أطلق عليه البعض بالاتفاق الخماسي‮ ‬ومن هنا‮ ‬يتساءل الناس عن ماهية الاتفاق الجديد بين الهاشمي‮ ‬والطالباني‮ ‬والبارزاني‮ ‬ومبرراته،‮ ‬ونؤكد أن الشخصين الكرديين كثيرا الاتفاق كثيرا النكوث بما‮ ‬يتفقا عليه مع الاخرين بل إننا لا نجد الوقت الكافي‮ ‬لنفهم اتفاقاً‮ ‬ما لنفاجأ باتفاق جديد للطالباني‮ ‬والبارزاني‮ ‬مع س أو ص‮.. ‬وربما هذا جزء من السمات الشخصية لهذين العميلين اللذين تدربا على مدى عقود من الزمن على ممارسة سلوكيات العماله الشائنة بحق الشعب العراقي‮ ‬مع عدم إغفال ما‮ ‬يحمله كل منهما من ضغائن ضد الآخر وهذا‮ ‬يعني‮ ‬أن العلاقة الجيدة‮ (‬الحالية‮) ‬بينها هي‮ ‬شهر عسل مؤقت سرعان ما‮ ‬ينتهي‮ ‬ليعود الاقتتال بينهما إلى سابق عهده للاستحواذ على المحافظات الثلاث‮ (‬أربيل ودهوك والسليمانية‮).‬
إن الاتفاق مع الهاشمي‮ ‬يأتي‮ ‬في‮ ‬ضوء ما‮ ‬يحصل من تطورات في‮ ‬شمال العراق والمنطقة لاسيما هجمات الجيش التركي‮ ‬على معاقل مقاتلي‮ ‬حزب العمال الكردستاني‮ ‬التركي‮ ‬المدعوم من الطالباني‮ ‬والبارزاني،‮ ‬علماً‮ ‬أن الهاشمي‮ ‬وبعض القوى المحسوبة على‮ (‬الإخوان المسلمين‮) ‬يلقون دعماً‮ ‬كبيراً‮ ‬من حكومة تركيا التي‮ ‬يتزعمها الإخوان المسلمين وليست السعودية ببعيدة عن هذا المشهد‮.. ‬ومن هنا فإن هذا الاتفاق لا‮ ‬يخلو من بصمات إعادة ترتيب الأوراق في‮ ‬شمال العراق وتقليم أظافر الطالباني‮ ‬والبارزاني‮ ‬والحد من جشعهما في‮ ‬استغلال الظروف الراهنة في‮ ‬العراق بعد احتلاله وأن هناك تطابقاً‮ ‬في‮ ‬مواقف تركيا وإيران وسوريا ضد الصلف والعنجهية الفارغة للطالباني‮ ‬والبارزاني‮ ‬وبمباركة واضحة من الإدارة الأمريكيه التي‮ ‬لا‮ ‬يمكن أن تفرط بحلفائها الاستراتيجيين مثل تركيا من أجل سواد عيون قطاع طرق لا‮ ‬يمكن الوثوق بهما ويمكن شراؤهما بأبخس الأثمان‮.‬
وفي‮ ‬ذلك تأتي‮ ‬أيضاً‮ ‬قضية حسم موضوع كركوك لصالح بقائها ضمن الجسد العراقي‮ ‬وبعيداً‮ ‬عن التداول والصفقات بين عملاء الاحتلال المشاركين باللعبة السياسية وكانت زيارة رايس إلى كركوك خلال الفترة الأخيرة بمثابة دق المسمار الأخير في‮ ‬نعش المطالب‮ ‬غير المشروعة للطالباني‮ ‬والبارزاني‮ ‬بهذه المحافظة التي‮ ‬هي‮ ‬تجسيد لصورة حية لتعايش كل مكونات الشعب العراقي‮ ‬من عرب وأكراد وتركمان واشوريين وكلدان وغيرهم من أبناء العراق الاصلاء،‮ ‬وهذا ما تؤكده كل الإحصاءات السكانية التي‮ ‬أجريت قبل عام‮ ‬1958‮ ‬حيث كانت بريطانيا تهيمن على العراق والتي‮ ‬ظهر فيها أن أكثرية سكان كركوك هم من العرب والتركمان والاشوريين وأن الأكراد هم أقلية‮!.‬
إن هذا الاتفاق بين الهاشمي‮ ‬والطالباني‮ ‬والبارزاني‮ ‬يأتي‮ ‬في‮ ‬أعقاب فشل مباحثات أجراها المدعو‮ (‬ناجريفان البارزاني‮) ‬رئيس ما‮ ‬يسمى بحكومة كردستان مع العملاء في‮ ‬حكومة المالكي‮ ‬حول موضوع كركوك واستغلال نفط الشمال ونسي‮ ‬جميع هؤلاء عن قصد أو بسبب‮ ‬غبائهم المعهود أن من‮ ‬يحكم العراق هو المحتل الأمريكي‮ ‬مع عدم إغفال التمدد الإيراني‮ ‬فيه،‮ ‬ولذلك فإن أي‮ ‬اتفاق أو مباحثات لا تأخذ هذه المسلمات بعين الاعتبار فهي‮ ‬بحكم الميتة بمعنى أن ما تقره أمريكا وترتضيه إيران هو ما‮ ‬يجد طريقه للتطبيق سواء رضي‮ ‬أو لم‮ ‬يرض الطالباني‮ ‬والبارزاني‮ ‬والمالكي‮ ‬والحكيم والهاشمي،‮ ‬ولذلك فإن الحديث عن قبول أو رفض هذا أو ذاك من الذين‮ ‬يدعون أو‮ ‬يعتقدون أنهم‮ ‬يحكمون العراق إنما هو حديث الواهمين الحالمين‮.. ‬فالعراق بلد منزوع السيادة والسلطات محكوم بالاحتلالين الأمريكي‮ ‬والإيراني‮ ‬ونسأل الطالباني‮ ‬والمالكي‮ ‬أين سيادتهم المزعومة أمام كثرة زيارات مسؤولي‮ ‬الدول التي‮ ‬أسهمت قواتها في‮ ‬احتلال العراق الذين‮ ‬يأتون ويغادرون العراق دون علم ومعرفة،‮ ‬من‮ ‬يخدعون أنفسهم والعالم ويدعون أنهم حكام العراق‮ (‬زار رئيس وزراء بريطانيا البصرة وغادرها إلى افغانستان ولم‮ ‬يعلم المالكي‮ ‬بها،‮ ‬وكذا بالنسبة لزيارة رئيس وزراء استراليا الجديد ومثلها كثير من الأمثلة منذ احتلال العراق وستستمر طالما بقي‮ ‬الاحتلال جاثماً‮ ‬على صدور العراقيين‮).‬
أما عن حديث الطالباني‮ ‬وإلغائه اتفاقية الجزائر التي‮ ‬أبرمت بين الرئيس العراقي‮ ‬الراحل صدام حسين وبين شاه إيران عام‮ ‬1975‮ ‬فهو الجنون والكذب بعينه فلا الطالباني‮ ‬ولا المالكي‮ ‬ولا‮ ‬غيرهما من ذيول الاحتلال قادرون على إبرام أو إلغاء اتفاقية مع الدول الأخرى لأنهم لا‮ ‬يمتلكون أية صلاحيات في‮ ‬بلد مازال خاضعاً‮ ‬للاحتلال بكل أشكاله المادية والاعتبارية وبمضامينه العسكرية والسياسية والاقتصادية والثقافية‮.. ‬كما أن إيران لا تأبه لا بالطالباني‮ ‬ولا بالبارزاني‮ ‬ولا بالهاشمي‮ ‬لأنها لاتزال تهيمن على الموجودين في‮ ‬حكومة الاحتلال وما‮ ‬يسمى بمجلس النواب هذا عدا أنها لا تقيم وزناً‮ ‬إلا لما‮ ‬يصدر حصرياً‮ ‬من الأمريكيين ولهذا فالنظام الإيراني‮ ‬يصغي‮ ‬لأي‮ ‬كلام‮ ‬يصدر من السفير كروكر أو قائد القوات الأمريكية ولا‮ ‬يعنيه ما‮ ‬يقوله سواهم من العملاء حتى وإن كانوا عملاء مزدوجين لأمريكا ولإيران وهذا أمر‮ ‬ينطبق على‮ ‬غالبية المشاركين في‮ ‬العملية السياسية الميتة سريرياً‮.‬
إن الحديث عن تلك الاتفاقية الآن والرغبة في‮ ‬التحرر منها حديث‮ ‬غبي‮ ‬فما الفائدة من التخلص من هذه الاتفاقية والعراق محتل مسلوب الإرادة والسيادة وأن إيران تشارك أمريكا باللعب بمقدراته‮.. ‬ثم نسأل الطالباني‮ ‬والبارزاني‮ ‬عن سبب اضطرار المرحوم صدام حسين لتوقيع تلك الاتفاقيه مع الشاه؟‮.. ‬ألم‮ ‬يكن السبب الأساسي‮ ‬هو التمرد الذي‮ ‬قاده مصطفى البارزاني‮ ‬الذي‮ ‬كان‮ ‬يدعمه الشاه والذي‮ ‬أنهك قدرات العراق الاقتصادية والعسكرية‮.. ‬علماً‮ ‬أن مصطفى البارزاني‮ ‬وابنه مسعود ومعهم الطالباني‮ ‬تصرفوا ولا زالوا على أساس أنهم جزء من إيران،‮ ‬ولذلك فنحن نشك بأي‮ ‬تصرف أو موقف للطالباني‮ ‬والبارزاني‮ ‬يشم منه رائحة تتقاطع مع إيران‮.. ‬كما نضيف إلى ذلك أن الطالباني‮ ‬لا‮ ‬يمتلك الصلاحيات بموجب دستور الاحتلال‮ (‬إذا افترضنا أن لديه أية صلاحيات وهي‮ ‬غير موجودة فعلاً‮) ‬لأن‮ ‬يلغي‮ ‬هذه الاتفاقية،‮ ‬كما أن إيران لا تستطيع الإقدام على عمل‮ ‬غير محسوب‮ ‬يمكن أن‮ ‬يضطر الاحتلال الأمريكي‮ ‬بموجب قرارات مجلس الأمن أن‮ ‬يرد عليها عسكرياً‮ ‬لأن العراق تحت الوصاية الأمريكية‮.‬
ثم كيف‮ ‬يسمح المالكي‮ ‬والأهم عبدالعزيز الحكيم للطالباني‮ ‬أن‮ ‬يضر بمصالح إيران والحكيم هو من‮ ‬يبذل كل ما في‮ ‬وسعه لتقريب وجهات النظر بينها وبين سادته الآخرين في‮ ‬واشنطن‮.. ‬وهل ننسى مطالبة الحكيم بتعويض إيران بمائة مليار دولار أمريكي‮ ‬من جلد الشعب العراقي‮ ‬مكافأة لها على حربها العدوانية على العراق التي‮ ‬استمرت ثمان سنوات وأتت على الأخضر واليابس في‮ ‬البلدين‮..‬؟‮! ‬ثم أليست الحدود المائية والبرية والجبلية بين العراق وإيران مفتوحة على مصراعيها منذ التاسع من نيسان‮ ‬2003‮ (‬طول الحدود أكثر من ألف وثلاثمائة كيلو متر‮).. ‬فعن أية اتفاقيه‮ ‬يتحدثون وإيران لا تلتزم ولا تعترف بأية اتفاقيه إلا في‮ ‬حالة ضعفها وإيران الآن قوية طالما بقت الأوضاع في‮ ‬العراق على ما هي‮ ‬عليه وطالما بقت الأخطاء الأمريكية الكارثية فيه مستمرة‮.‬
إن تصريح الطالباني‮ ‬حول إلغاء اتفاقية الجزائر ربما‮ ‬يفهم منه أن هذه الاتفاقية وجدت أو صممت ضد التمرد الكردي‮ ‬وبذلك أراد أن‮ ‬يجد منفذاً‮ ‬لترحيل مقاتلي‮ ‬حزب العمال الكردستاني‮ ‬التركي‮ ‬إلى الأراضي‮ ‬الإيرانية كنوع من الضغط على إيران لتضغط هذه بدورها على عملائها كي‮ ‬يصونوا ما اتفقوا عليه فيما سمي‮ ‬بالاتفاق الرباعي‮ ‬وللعودة بالعلاقة بين ثلة العملاء إلى سابق عهدها‮.. ‬وربما هو صرح بهذا الكلام تنفيذاً‮ ‬لإيعاز أمريكي‮ ‬والأيام القريبة القادمة كفيلة بكشف أبعاد هذه المسرحية‮.‬
إن الذي‮ ‬يمكن فهمه مما‮ ‬يجري‮ ‬في‮ ‬العراق سواء في‮ ‬هذه التصريحات الغبية أو‮ ‬غيرها أنها لا تخرج عن كونها محاولات لتعتيم الصورة وخلط الأوراق على الشعب العراقي‮ ‬والرأي‮ ‬العام العالمي‮ ‬وتوجيه أنظارهما بعيداً‮ ‬عن جوهر الحقائق عما‮ ‬يجري‮ ‬على الأرض لاسيما أحداث العنف وعمليات المقاومة البطولية للاحتلال وازدياد معانات العراقيين من سوء الأوضاع التي‮ ‬يعانون منها بشكل متزايد وهذا ما تؤكده كل‮ ‬يوم الإحصاءات التي‮ ‬تصدرها منظمات الأمم المتحدة المختلفة فهناك أكثر من خمسة ملايين طفل عراقي‮ ‬يتيم وخمسة ملايين طفل آخر‮ ‬يعانون من الأمراض الخطيرة وسوء التغذية ناهيك عن معاناة خمسة ملايين عراقي‮ ‬مهجر خارج العراق وثلاثة ملايين ونصف المليون عراقي‮ ‬نازح داخل العراق وكلهم‮ ‬يعانون من شغف العيش وصعوبة الحياة في‮ ‬ظل ظروف بالغة التعقيد انعدام أبسط مستلزمات الحياة في‮ ‬حين تزداد شهية عملاء الاحتلال في‮ ‬سرقة ثروات العراق وتهريبها إلى الخارج في‮ ‬حين تستمر معاناة مئات الآلاف من الأطفال والنساء والشباب والشيوخ المحتجزين بدون مبرر لدى سلطات الاحتلال والحكومة العميلة في‮ ‬سجون ومعتقلات لا تصلح حتى للحيوانات ويتعرضون فيها لشتى أساليب التعذيب والقهر‮.. ‬هذا دون الإشارة إلى مقتل أكثر من مليوني‮ ‬عراقي‮ ‬منذ دخول قوات الاحتلال إلى العراق في‮ ‬نيسان‮ ‬2003‮ ‬ولحد الآن‮.. ‬ومع ذلك لا‮ ‬يزال بعض الأفاقين الدجالين الذين عميت أبصارهم عن قول الحقيقة‮.. ‬يقولون متبجحين إن من‮ ‬يتولوا أمر العراقيين‮ (‬من أمثال الطالباني‮ ‬والبارزاني‮ ‬والمالكي‮ ‬وغيرهم من العملاء‮) ‬قد تم انتخابهم من‮ ‬12‮ ‬مليون عراقي‮ ‬ولا ندري‮ ‬أين هم هؤلاء الآن علماً‮ ‬أن‮ ‬غالبيتهم‮ ‬يتمنون لو أنهم قطعوا أصابعهم قبل أن‮ ‬يعطوا أصواتهم لقوائم مجهولة ولأناس لا‮ ‬يعرفونهم‮.. ‬أثبتت الأيام أنهم أبعد ما‮ ‬يكونوا عن آمال الشعب العراقي‮ ‬وتطلعاته في‮ ‬العيش الكريم بعيداً‮ ‬عن أمريكا وإيران وغيرهما من مصادر الشر وأهله‮.
ت
عنوان المقالة او الافتتاحية
اسم الكاتب
مكان النشر
9
إيران والعراق... والدَّمُ الذي يراق
محمد عبدالله محمد
الوسط البحرين
ما يصل إيران بالعراق اليوم هو عبارة عن معادلة من نوع آخر. فمع الاحتلال ظهرت سياسة غير مستقرة ممزوجة بدبلوماسية قاسية بين طهران وواشنطن عبر البوابة العراقية التي مثلت البطن الرخو للإدارة الأميركية. وضمن هذه المساحة تتباعد ركلات الفرقاء حول نواتها عندما يقل الحلفاء، وتتحول من هكذا حال إلى صيغة حرب مخففة عندما يصبح الموضوع ذا صلة بأسباب الوجود والتحدي والتفوق. وأيضاً وبوجود الاحتلال الأميركي للعراق بدأ التحدي الأكبر لواشنطن وطهران في إيجاد تفسير لما يجري وإدراك ما سيجري ومن ستكون رجله على صدر الآخر على الأقل في محيط جغرافي أو في ملف من الملفات كما يحلو لبوش أن يباعدها قسراً ضمن سياسة الفصل بين الملفات. الأميركيون ربما يتساءلون: هل تجاوزت إيران نظرية محور الشر أم أن الأخيرة تجاوزتها بفعل الزمن، ومن الذي استطاع أن يطوِّع الحوادث لصالحه؟ والإيرانيون هم أيضاً يسألون: هل أوجعنا الأميركيين بما يكفي لكي ينصرفوا عن غلوائهم ضدنا؟ وبين التساؤل الأميركي والإيراني تغيب السياسات الهاجعة لصالح السياسات المتقافزة التي تتحكم في إيقاع حركتها الحوادث ولي الأذرع.
على أرض العراق وحوله جرت جولات الحوار بين الخصمين اللدودين، فكسب الأميركيون قدراً جيداً من الأمن وفَّره لهم الإيرانيون بعد حبسهم لآلة الجيوب التي لهم ولاية عليها في الجنوب والوسط والشمال، وكسب العراقيون قدراً مهماً من الهدوء السياسي في العلاقات الخارجية والداخلية أيضاً، وكسب الإيرانيون لجماً أكبر لمجاهدي خلق ومعسكر أشرف وحرية التصرف ضد حركة بيجاك الكردية المسلحة، وأيضاً تقريراً استخباراتياً برأهم من وزر السلاح النووي الذي بدا مزعجاً لهم إلى حدٍّ ما من العام 2002، لكن الأكيد أيضاً أن هذه الجولات لم تمنع من ليِّ الأذرع بينهما في مواطن أخرى داخل العراق، وربما دفعت حسابات الأرض لأن تتغير فواتير الملفات اللاحقة صعوداً وهبوطاً وطريقة العرض والطلب بشأنها.
فالدولة العراقية اليوم أشبه بسوق البازار التي تجيد المضاربات وتصوغ التحالفات، والفارق هنا فقط هو أن التشطير في هذه السوق هو لصالح فريقين لا أكثر. قبل أسبوع بالضبط صرح الرئيس العراقي جلال الطالباني في مؤتمر صحافي مشترك في السليمانية مع نائبه من الحزب الإسلامي طارق الهاشمي ورئيس إقليم كردستان مسعود البارزاني بأن «معاهدة الجزائر ألغيت في السابق من جانب قوى المعارضة العراقية التي هي الآن تشكل الحكومة العراقية، وكذلك من جانب الأطراف الأخرى في البلاد لأنها أبرمت بين صدام حسين وشاه إيران، وأن العراق سبق أن أعلن مراراً رفضه لتلك المعاهدة أو التوقيع على بيانات مشتركة مع الجانب الإيراني بسبب دعوة المسئولين الإيرانيين إلى تضمين تلك البيانات بعض الفقرات التي تشير إلى نصوص معاهدة الجزائر»، لكن الغريب أن الخارجية العراقية وعلى لسان وكيلها محمود الحاج حذرت من أن إعلان الطالباني إلغاء معاهدة الجزائر الموقعة بين العراق وإيران قد يثير مخاوف طهران بسبب فقدانها نصيبها من شط العرب الذي كانت تتقاسمه مع العراق منذ العام 1975، وأن المحادثات المرتقبة ستركز على موضوع شط العرب وليس معاهدة الجزائر لأنها ليست موضع نقاش، وكذلك الحال بالنسبة إلى رئاسة الوزراء العراقية عندما أعلنت أنها «فوجئت بإعلان الطالباني إلغاء معاهدة الجزائر، لأن هذا الموضوع لم يطرح أساساً خلال جولات الحوار الكثيرة بيننا وبين الجارة إيران، وإعلان إلغاء المعاهدة بهذه الطريقة سيؤدي حتماً إلى نتائج سلبية ولاسيما في الملف الأمني، ويبدو أن هناك رسالة ما أراد الرئيس الطالباني إيصالها للإيرانيين نجهلها نحن»! وإذا كان التناقض بين رئاسة الجمهورية ووزارة الخارجية ورئاسة الوزراء وصل إلى هذا الحدِّ، فإن الأمر يعني أن هذا البلد لا يعيش محاصصات طائفية أو مذهبية بل أيضاً محاصصات إقليمية ودولية! بل الأكثر أن الطالباني وفي استدراك سريع منه قال من مقر إقامته في السليمانية مساء الجمعة الماضي عقب استقباله السفير الإيراني في بغداد حسن كاظمي قمي إن تصريحاته بشأن اتفاق الجزائر بين العراق وإيران «لم تُنقل بشكل دقيق» وأن «هذه الاتفاقية بنظر القانون والأعراف الدولية يعتبر قائمة ونافذة»، مضيفاً «أننا في عهد المعارضة، عندما كنا نعارض النظام الدكتاتوري، كنا نعارض هذه الاتفاقية باعتبارها اتفاقية بين الجلادين شاه إيران وصدام حسين، ولكن الأوضاع تبدلت عندما تحررت إيران وجاءت الجمهورية الإسلامية الإيرانية الصديقة لشعبنا، وتحرر العراق من الدكتاتورية وجاءت الجمهورية العراقية الصديقة لإيران»!
وربما تكون هذه الحادثة المُمَسْرحة إحدى قيم الصراع داخل الدولة العراقية ومدى انسجام علاقاتها الدولية والإقليمية مع الخط العام للهوية العراقية ومفاعليها في مجال السياسة والتحالفات القائمة. وفي حادثة أخرى تُبيّن حجم الاستقطاب بين المحورين الخصمين، قال رئيس لجنة الأوقاف والسياحة الدينية في محافظة كربلاء أحمد الحسيني قبل أربعة أيام، إن إيران تهيمن على العتبات المقدسة في كربلاء وأنها تهرب أسلحة حديثة وبنادق خاصة للقناصة بجوار مرقدي الإمامين العسكريين بحجة حمايتهما، في حين رد محافظ كربلاء عقيل الخزعلي على هذه التصريحات بأن «الذين يتهمون إيران بالهيمنة على المرقدين الشريفين في كربلاء هم سياسيون فاشلون، ومتسولون»! وهي إحدى مظاهر القيم التي تمت الإشارة إليها سلفاً.
بطبيعة الحال، فإن ضبط التوجهات والمسارات الاستراتيجية للدولة العراقية هي هدف مركزي ومهم بالنسبة إلى الإيرانيين والأميركيين معاً، فطهران تريد أن تُحيِّد حدودها مع العراق ما أمكن وتحاشي تحولها إلى ممر عبور سواء للقوات الأميركية أو للمنظمات الإيرانية المسلحة المعارضة وخصوصاً بعد تصريحات وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف الأخيرة بأن واشنطن تسعى إلى تدبير انقلاب عسكري ضد طهران، والأميركيون يريدون إبعاد التوجهات الراديكالية عن القرار العراقي بهدف إيجاد الآليات التي تسمح لهم بالبقاء في قواعد دائمة أو ربط الحكومات العراقية بعقود نفطية أو أمنية طويلة الأمد.
الإيرانيون سعوا إلى ربط السياسة العراقية الاقتصادية والاجتماعية بهم لضمان تأثيرهم على القرار العراقي فرفعوا موازنتهم التجارية مع بغداد إلى ملياري دولار، ووقعوا خلال الأعوام التي تلت احتلال العراق أكثر من سبعين وثيقة للتعاون في مختلف المجالات، كما زودوا محافظة البصرة بالطاقة الكهربائية وطبعوا الكتب المدرسية ودخلوا في مشروعات إسكانية واسعة، وبالتالي فهم يُزاحمون الأميركيين في ضبط توجهات الدولة الجديدة وخصوصاً أن واشنطن مازالت غارقة في الخيارات الأمنية والعسكرية المباشرة.
الإيرانيون ربما يواجهون واقعاً سياسياً جديداً داخل العراق إثر التسويات التي من المفترض أن تقوم بين الفرقاء السياسيين، وبعد تعديل قانون اجتثاث البعث التي كانت تدعمه بقوة، والأميركيون ربما يواجهون أيضاً واقعاً جديداً يتمثل في خلق الحيّزات السياسية والمؤسساتية التي يُمكنها استيعاب الترتيبات الطارئة التي تدفع بها واشنطن في ظل سيطرة الائتلاف الشيعي على الحكم وبقاء الصدريين أو جيوب منهم خارج الضبط العمودي وإصرارهم على خيار الصدام والتمرد.
ت
عنوان المقالة او الافتتاحية
اسم الكاتب
مكان النشر
10
ماذا حدث في دوكان؟
جاسم الرصيف
اخبار الخليج البحرين
عن تجربة في الحياة قالت العرب منذ مئات السنين: (خذ الأمر بقوابله). واذا كانت (قوابل تحرير) العراق من اهله العرب بدبابات وطائرات امريكية وفرق موت ايرانية قد اسفرت عن احتلال امريكي صريح فصيح في اروقة الأمم المتحدة وعلى الأرض في العراق، واحتلال ايراني يحكم العراق من دون ظل،
فقد جيرت الأيام (قوابل) المشاركين في العملية السياسية التي اطلقها الاحتلالان لصالح اجندة واحدة: تفكيك العراق وطمس تأريخه العربي بكل الوسائل المتاحة.. واذا كانت من قوابل الاحتلال ان (الحزب الاسلامي العراقي) كان واحدا من ابرز الوجوه التي وقعت هذه الأجندة من خلال المحاصصة الطائفية والمعاصصة العرقية العنصرية التي جاءت في ثنايا قانون (ادارة الدولة)، الذي كتبه محام صهيوني مبتدئ، ووضعه (بريمر) نبي اللصوص (قرآنا بديلا) لعملائه الذين ساندوه في احتلال العراق، فعن اي (اسلام) يتحدث هذا الحزب؟ وردتني رسائل ذات طوابع قبلية على المذهبية السياسية تفيد بأنني (كعربي سني) يجب ان اساند المسلمين العرب السنة لا ان اكتب ضدهم، وفي يقيني القاطع ان كتبة هذه الرسائل قد تعكزوا، على قبلية سياسية ومذهبية طائفية عرقية من دون قيم الوطن والمواطنة بكثير، ومن دون اخلاق العرب (سنة وشيعة) بما لا يقاس على اي مذهب اسلامي صحيح، مذ انزل الله سبحانه تعالى قرآنه الكريم ليبعدنا عن جاهلية اولى حتى ايام الغربلة الدموية هذه من ايام جاهلية ثانية يؤسس لها الاحتلالان على اجنحة منها هذا الحزب. حسنا! لمن كتبوا لي محتجّين، وللقراء العرب والمسلمين، انقل آخر ما تسرب من اخبار (الحزب الاسلامي)، على هامش (تحالف دوكان) يفيد ان السيد ابن السيد (الأمين) العام للحزب (الاسلامي) الذي وقع بنود تحالفه، قد حقق للعرب السنة، وللعراق بعربه واكراده، (إنجازا اسلاميا؟!) كبيرا، اذا صح فهو يرقى الى مستوى جريمة حرب كبرى بحق العراقيين جميعا، وفي مقدمتهم العرب السنة، مرورا بكل المسلمين من كل المذاهب التي لم تسرطنها عطايا الاحتلالين. ان الحزب الاسلامي «تنازل عن ثلثي محافظة نينوى للأكراد، ورفض انضمام الموصل الى اي اقليم مستقبلا فيما اذا وافق العرب السنة على تشكيل اقليم يضم المحافظات ذات الأغلبية السنية.. ويكون للأكراد حق ثلثي ادارة مدينة الموصل، وللعرب والقوميات الأخرى الثلث الباقي إضافة الى إلحاق قضاء سنجار بالادارة الكردية«. هذا هو البروتوكول السري الملحق بإعلان (تحالف دوكان)! وعسى ان يكون ما تسرّب ليس صحيحا. ولكن اذا ما عدنا الى قوابل الاحتلال، فهو على الأرجح قد حصل، ليثبت ان هذا الحزب، قد فاق في مخططاته (الوطنية) مخططات السيناتور (بايدن) للعراق وللشرق الأوسط في آن، من حيث انه قدم اعرق محافظة عربية في شمال العراق لقمة سهلة للأكراد الذين تفتك (بيش مركتهم) بالعرب السنة يوميا، وبكل ما هو عربي الاسم والتأريخ، مستظلة قوات الاحتلال للأكراد. والسؤال الذي يطرح نفسه فورا على منضدة الحزب (الاسلامي) هو: هل عقدتم هذا الاتفاق مع الحزبين الكرديين ام لا؟ وهل تقرّون بأن نينوى وبنسبة (95%) من سكانها عربية ام لا؟ اراهن ان قادة الحزب (الاسلامي العراقي)، لن يجيبوا عن هذه (التهمة).
ت
عنوان المقالة او الافتتاحية
اسم الكاتب
مكان النشر
11
كركوك: الهوية والولاء ( 1 )
زهير المخ
الراية قطر
تتجه أنظار العراقيين نحو النزاع الذي بدأت تلوح نذره في سماء كركوك، النزاع الذي يدور بين مكونات التركيبة السكانية حول الثروة النفطية للمدينة والتنافس الإثني حول الهوية بين هذه المكونات.
وبالفعل، فما أن يسعي الباحث إلي إطلاق أحكام قيمية علي التركيبة السكانية والإثنية لمدينة كركوك حتي يجد نفسه أسير مفارقة جديّة ذات طبيعة مركبة، ذلك أن تركيبة المدينة هذه غامضة ودقيقة في آن معاً؛ فهي غامضة لصعوبة العثور علي معطيات رقمية موثوقة تساعد علي سبر مكنونات هذه التركيبة واستخلاص نتائج هي ذاتها بحاجة إلي مزيد من التحديد؛ وهي دقيقة، لأنه يصعب علي الباحث أن يتصدي لهذا الموضوع بتشابكاته وتعقيداته دون أن يخضع كذلك للتضليل، وإن كان بنسب متفاوتة.
يصيب أحد الباحثين القول: "إن أي تحديد لمدلولات التركيبة الجغرافية والإثنية لمدينة كركوك هو تحديد اعتباطي إلي حد كبير"، لذلك لا يفاجأ المرء إذا ما واجهه سيل من الإجابات الجاهزة. وفي الواقع، فقد طبع كركوك تاريخياً صدام بين هويات ثلاث متنافسة كل واحدة منها تحمل مفهوماً جغرافياً وديمغرافياً يختلف جذرياً عن الأخري. الأولي هي الهوية الكردية والثانية هي الهوية "المركزية العروبية"، أما الثالثة فهي بالطبع الهوية التركمانية.
فلنكتف فقط بالقول إننا إن تبنينا هذه الهوية أو تلك فإننا لا نحملها أي مغزي سياسي أو إيديولوجي، بل دلالة جغرافية - ديمغرافية شبه مجردة. ففي هذا الحزام الجغرافي الفاصل بين منطقة كردستان ومناطق الكثافة العربية، ثمة من يتذكر بغبطة تلك الأيام الخوالي إبان العهد الفيصلي حين كان معظم سكان المدينة هم من التركمان والأكراد يتخللها جزر، وإن كانت معزولة، من المسيحيين واليهود: "كان عصر التسامح بجدارة". هذا، علي الأقل، ما يردده جيل شارف علي الانقراض.
ومهما يكن من أمر، فإن السعي إلي تبيان الصورة الحالية لجغرافية مدينة كركوك وديمغرافيتها يستوجب مزيداً من التوصيف لرصد التبدلات النوعية في التركيبة السكانية التي طرأت في الحقبة الماضية ومن ثم تعيين العمق الزمني الماضي كمنطلق أو أساس للمقارنة المستقبلية.
السؤال الجوهري هو: ما هي المظاهر المميزة للتركيب السكاني والإثني في مدينة كركوك؟ يصعب إعطاء إجابة مباشرة ودقيقة عن هذا السؤال. فالمعطيات الخاصة بهذا الشأن تبقي موضوع جدل كبير بين المكونات المتنازعة.
وإذا ما حاولنا أن نتجنب "لعبة المرايا" بين أطراف النزاع، لا بد من الإقرار بحقيقة تاريخية وهي أن غالبية سكان المدينة هم من التركمان الذين كانت لهم الغلبة في الهيمنة اقتصادياً علي الأقل علي مقدرات المدينة. إلا أن موجات الانتقال إلي كركوك نمت "كالفطر بعد مطر الشتاء" خصوصاً في ضوء بدء شركة نفط العراق عملها في الحقول النفطية المكتشفة حديثاً وما صاحبها من تزايد فرص العمل فيها.
هذه الظاهرة لم تكن مقتصرة علي مدينة كركوك وحدها فحسب، بل المدن العراقية الأخري أيضاً. وعلي سبيل المثال شهدت بغداد نمواً في عدد السكان بين عامي 1914 و1975 نحو 25 مرة وسكان البصرة نحو 34 مرة.
وفي هذه الحالة كذلك تعزي هذه الظاهرة إلي عدد من العوامل لعل من بينها، النمو الاقتصادي في المدن - المراكز والارتباط المتزايد بين معيشة العائلات والسياسات الحكومية، سواء من خلال نمو أجهزة الدولة المختلفة أو من خلال حركة التأميمات، ومنها أيضاً أمل الحياة في المدن حيث أسباب الصحة أكثر توفراً منها في الريف.
وينطبق هذا التطور طبعاً علي مدينة كركوك، فالطفرة الكبري للهجرة الكردية التي حدثت علي الأرجح في نهاية الخمسينيات ومطلع الستينيات كانت هجرة لأفراد العشائر الكردية المحيطة بالمدينة، كعشائر جباري وزه نكنه وكاه يي والجاف وهموند وطالباني وشوان وغيرها، في وقت كانت السلطة السياسية بصورة محددة في اتجاه غلبة عناصر غير مدينية أو علي الأقل غريبة عن المدن الكبري الأخري، بما فيها مدينة كركوك.
وبالطبع أدي هذا التدفق الكردي علي المدينة إلي ظهور أحياء جديدة في المدينة بالترافق مع توسع الأحياء التقليدية لسكن الأكراد مثل حي الإمام قاسم ورحيم آوي والشورجة، إضافة إلي تغلغل ديمغرافي كردي محسوس في أحياء أخري من المدينة. وطبقاً للإحصاء السكاني للعام 1957 فإن نسبة الأكراد في المدينة كانت 48.3% من إجمالي السكان، وهو الإحصاء الذي اتفق عليه الطرفان الكردي والحكومي وفق بيان مارس 1970 للحكم الذاتي، بينما انخفضت هذه النسبة إلي 37.3% في إحصاء العام 1977، وفي المقابل ازدادت نسبة الفئات من أصول عربية من 28.2% في إحصاء العام 1957 إلي 44.4% في إحصاء العام 1977، بينما تراجعت نسبة التركمان من 21.5% في إحصاء 1957 إلي 16.3% في إحصاء 1977.
وبما أنه ليس ثمة إحصاءات يعتد بها لعدد سكان المدينة، ولا يثق سكان كركوك بتعداد السكان الذي كان يتم كل عشر سنوات، والذي عرف أن النظام المركزي السابق كان يتلاعب به، أضف أن العراقيين من غير العرب في المناطق الإستراتيجية مثل كركوك كانوا يجبرون علي تسجيل هويتهم العرقية علي أنهم "عرب"، يمكن القول إن عدد سكان كركوك اليوم يقترب من 1.5 مليون نسمة في المحافظة، من ضمنهم حوالي 800 ألف نسمة من أطرافها.
ت
عنوان المقالة او الافتتاحية
اسم الكاتب
مكان النشر
12
كيف غطّت مواقع الإنترنت العراقيّة «إعلان المبادئ» بين بوش والمالكي
علاء اللامي
الاخبار لبنان
حظيت اتفاقية «إعلان مبادئ لعلاقة تعاون وصداقة طويلة الأمد بين جمهورية العراق والولايات المتحدة الأمريكية» باهتمام خاص ومتابعة دائبة من لدن أغلب المواقع العراقية على شبكة الإنترنت، وقد تراوحت مضامين ما نشر عليها من مقالات وتقارير وبيانات بين مواقف التأييد والدعم أو العرض الإخباري المحايد، مسهَباً أو مختصَراً، والنقد، إذ وُصفت تلك الاتفاقية في بعض المواقع ذات التوجهات المناهضة للاحتلال وحكم المحاصصة الطائفية باتفاقية «العار» و«الانتداب» أو «الوصاية الجديدة»، وتلك مصطلحات سياسية عراقية سادت في فترات تاريخية سابقة يعود بعضها للعهد الملكي.
• فمن المواقف المؤيدة، نقرأ تقريراً إخبارياً في موقع «أصوات العراق»، وهو موقع يعرِّف نفسه بـ«وكالة الأنباء المستقلة»، مع أنه لا يختلف كثيراً عن أية وكالة أنباء حكومية في الأنظمة الشمولية في العالم الثالث. نقرأ في هذا الموقع تحت عنوان «جبهة التوافق: مضمون اتفاقية الصداقة العراقية الأمريكية يتماشى مع المصلحة الوطنية»، تقريراً يخبرنا بأن نائبة من جبهة التوافق، هي أزهار السامرائي أعلنت أن جبهتها «تنظر للاتفاق نظرة إيجابية... نحن في جبهة التوافق نعتقد بأن إقرار بنود الاتفاق مع الجانب الأمريكي كان إيجابياً والشعب العراقي بات بأمس الحاجة له». ولا ينسى الموقع أن يذكِّر قراءه في تضاعيف المقال بحقيقة حاول البعض إخفاءها وتقول: «وكان الرئيس الأمريكي جورج بوش ورئيس الوزراء نوري المالكي قد وقعا على اتفاق مبدئي للشراكة الاستراتيجية بين الجانبين، يسمح بوجود عسكري أمريكي طويل الأمد في العراق، لحمايته من تهديدات خارجية، والعمل على استقراره الداخلي».
www.aswataliraq.info
• ومن المواقف التي حاولت تسويق وجهة نظر محايدة شكلاً أو مشككة على وجل، نقرأ في صحيفة «الرأي» الإلكترونية، التي تعرِّف نفسها أيضاً بالسياسية المستقلة، تحليلاً إخبارياً تحت عنوان «إعلان النوايا بين بغداد ـــــ واشنطن.. تخويف الجيران أم طمأنتهم؟»، وفيه يصف الكاتب الاتفاقية موضوع الحديث بـ«الخطوة الأولى على طريق مسافة الألف ميل بين العراق والولايات المتحدة الأميركية»، محاولاً في موضع آخر ترويج التطمينات الحكومية، فيقول: «وطبقاً لتصريحات أدلى بها للصحافة أحد مستشاري المالكي، وصف ما حصل بأنه مجرد وثيقة للمبادئ، ويمكن عدها خريطة طريق لتنظيم علاقة التعاون والصداقة بين الولايات المتحدة والعراق»، مشيراً إلى أن الالتزامات الأمنية في الاتفاقية أو جزء منها «إنما هو موجه إلى بعض دول الجوار العراقي، وفي مقدمة هؤلاء الجيران إيران. ذلك أن باقي جيران العراق، ما عدا سوريا، هم جزء من المنظومة الدفاعية والأمنية الأمريكية، مثل السعودية والأردن والكويت وتركيا»، مسجلاً على لسان مستشار المالكي أن «رئيس الوزراء حرص على إشراك جميع المؤسسات الدستورية العراقية في الحوار والاطلاع على هذا الإعلان، وعلى حد علمي، فليس هناك أحد اعترض على وثيقة إعلان النوايا من ناحية المبدأ». وفي نهاية التقرير، نقرأ خلاصة غريبة يقول المحرر فيها: «إن الاتفاقية الاستراتيجية بين العراق والولايات المتحدة تكون قد دخلت حيز التنفيذ، حيث لم يعد ثمة حاجة لقوات تحت اسم متعددة الجنسيات وتحت ولاية مجلس الأمن، بل سيتم ذلك في إطار اتفاق ثنائي بين بلدين سياديين هما الولايات المتحدة والعراق». والواضح أن هذه الخلاصة (الجريئة) تنزع تماماً بضربة واحدة مزاعم الحياد والاستقلالية عن الكاتب وموقعه، حين تساوي بين بلد محتل ومنزوع السيادة وآخر يحتله ويلغي استقلاله الوطني.
www.alraynews.com
• من المواقف الرافضة والناقدة للاتفاقية موقع «البديل العراقي»، ويعرّف نفسه بـ«الموقع الوطني الديموقراطي المستقل»، ونقرأ فيه مقالة لأحمد الناصري تحت عنوان «الاحتلال والاتفاق معه من منظور وطني». يبدأ الناصري مقالته بسلسلة تساؤلات ذات مذاق تهكمي، منها: «هل يوجد احتلال وسيادة على أرض وطنية واحدة في الوقت نفسه وعلى المكان نفسه؟ هل يمكن تسمية الغزو والعدوان والاحتلال تسميات أخرى؟ وهل يجوز لطرف داخلي محلي (وطني) أن يتفق مع محتل خارجي ويمنحه ما لا يملك من حقوق وطنية عامة وليست خاصة؟ وهل هناك تجارب ناجحة من هذا النوع؟ ماذا يترتب على اتفاق كهذا من الناحية السياسية الوطنية والقانونية؟ هل نجحت المعاهدات الاسترقاقية في تأمين بقاء الاحتلال البريطاني والفرنسي في منطقتنا العربية؟ ولماذا يحتاج المحتل إلى معاهدات؟ وهل تستطيع قوى محلية معينة أن تمنح شرعية حقيقية للمحتل بالاتفاق معه؟ وهل يحق لها أصلاً القيام بهذا العمل من منظور وطني؟». ويختم الكاتب بالخلاصة القائلة إن «محاولة شرعنة الاحتلال الزائفة من أطراف محلية هي الجريمة التي لا يمكن السكوت عنها أو نسيانها أو غفرانها تحت كل الظروف والاعتبارات، لأنها تجاوز وتهديد لكل القيم والمصالح الوطنية ومساهمة بائسة أخرى في تثبيت الاحتلال وإطالة عمره مقابل ثمن معلوم وصفقات مشينة». وكان هذا الموقع قد وجه نداءً إلى من سمّاهم «الأقلام الوطنية»، ناشدهم فيه إطلاق حملة جديدة من الكتابات النقدية عن الاتفاقية المذكورة بعدما كادت أخبارها تتلاشى ويطويها النسيان في خضم الأحداث اليومية، متعهداً نشر الآراء التي تصل إليه كما هي، ودون تدخل من محرريه، مشيراً إلى أن «وضع هذه الاتفاقية على طاولة النقد والتشريح والتفكيك من الأقلام الوطنية واجب ومهمة سياسية وأخلاقية كبرى، وإن من الواجب عدم نسيان أو إهمال هذا الشأن الخطير، فأصحاب الاتفاقية سيعودون إليها عاجلاً أو آجلاً، لكن على الصعيد التطبيقي هذه المرة لتحويلها إلى واقع قائم».
www.albadeeliraq.com
• أما في موقع «الحوار المتمدن»، وهو موقع يساري علماني ينشر غالباً مقالات للمؤيدين للاحتلال وعمليته السياسية، وأحياناً للمناهضين له، فنقرأ لصائب خليل مقالة بعنوان «صراع الكلمات مع «فرق القوة» في إعلان مبادئ التعاون بين أميركا والعراق»، وفيها التفاتة مهمة وردت في تحليل الكاتب النقدي لعدد من مواد الاتفاقية، ومنها على الخصوص المادة الأولى والثانية، حيث يكتب خليل: «المادتان تعطيان القوة الأمريكية صلاحية التدخل لحماية الحكومة العراقية من أية محاولات من أيٍّ كان لتغييرها. أي الشعب أيضاً! وبما أن الحكم على ما هو خطر على النظام الديموقراطي يعود للقوي، فإن الاتفاقية تتيح للأميركان ضرب أية قوة تراها غير مناسبة في العراق باعتبارها تهديداً للديموقراطية».
www.ahewar.org
• وفي موقع «هيئة علماء المسلمين» يطالعنا بيان رسمي للهيئة عن الاتفاقية، يرى أن «الرئيس الأمريكي بهذه الخطوة يُحيي الخراب في البلاد، ويدعم مؤسسات التدمير، ويصنع لهؤلاء الذين أتى بهم ديكتاتورية يباركها لهم بترسيخ وجودها وتقديم الدعم لها والاعتراف بها جهةً ممثلةً لشعب سحق جنوده كل معاني الحرية فيه، وغُيبت قواه الحقيقية المعبرة عن إرادته صدقاً، ويبيع العراق بيع مسود لسيد، لا هم له إلا أن يبقى في السلطة، وهو مستعد ليفرّط في سبيل ذلك بكل البلاد ثمناً ما دام يفرط بما ليس له، ويبيع ما لا يملك». ويركز البيان على الجانب السلطوي في الاتفاقية وينتقد تضمينها «دعم الحكومة الحالية وأجهزتها الأمنية المتورطة في قتل أبناء الشعب العراقي وتعذيبهم»، وفي ختامه تعلن الهيئة أنها «إذ تدين هذه الوثيقة وتعدها باطلة لا قيمة لها ولا تساوي الحبر الذي كتبت به، فإنها تؤكد أن الشعب العراقي بكل قواه الوطنية ومقاومته الشرعية وفئات شعبه الرافضة للاحتلال الأميركي لن يعترف بأي اتفاق يبرم في ظل الاحتلال يمس سيادة العراق ومصالحه العليا».
www.iraq-amsi.org
• كما نشير إلى المحور الذي افتتحه موقع «ثوابت» حول موضوع الاتفاقية، وتضمن إضافة إلى مقالة أحمد الناصري سابقة الذكر في موقع آخر، مقالة للكاتب جمال محمد تقي وأخرى لكاظم محمد، وغيرهم، إضافة إلى النص الكامل لتلك الاتفاقية :
www.thawabit.com
• وانفرد موقع «الدار العراقية» بنشر صورة لنسخة من الاتفاقية المذكورة، وقد وقع عليها أقطاب حكم المحاصصة الطائفية والإثنية، حيث نرى في الصورة إضافة إلى توقيع جورج بوش، تواقيع كل من مسعود البرزاني وجلال الطالباني ونوري المالكي وعبد العزيز الحكيم وطارق الهاشمي ومحمود المشهداني. وقد أعاد موقع «البديل العراقي» سالف الذكر نشر الجزء المتضمن للتواقيع في اليوم ذاته.
ت
عنوان المقالة او الافتتاحية
اسم الكاتب
مكان النشر
13
فخري كريم «يقاضي» سماح إدريس: نزق العاجزين عن الحوار
منذر سليمان
الاخبار لبنان
ليتني كنتُ على علمٍ بما أخفى فخري كريم وراء برقع الوقار ولطفِ الابتسامة الهاتفة في رنّة صوته، عندما تقدَّم منِّي وعرّف عن نفسه باللهجة العراقية العربية المحبّبة إلى قلبي. كان المشهد في استراحة بهو الفندق الذي ضمّنا أخيراً، حيث كنتُ مدعوّاً للمشاركة في ندوة «المال والإعلام والسلطة» في نشاطات مهرجان القاهرة للإعلام العربي. حتى تلك اللحظة لم أكن قد التقيتُ بالرجل الذي انطبعتْ في ذهني عنه، من متابعتي للأخبار، صورةُ اليساري السابق الذي تحوَّل «صائداً» لكوبونات النفط المشهورة بعد أن أضاف إلى محفظته الغنية صفةَ المستشار الدائم لجلال الطالباني، الذي يُرمز إليه حاليّاً بصفة «الرئيس» في العراق الرازح تحت الاحتلال الأميركي.
أبدى كريم استياءَ العاتب المستغرب، عندما بادرتُه بلهجةٍ ساخرة متسائلاً إن كنتُ قد أرهقتُه بمشقّة التنقيب، دون طائل، في قائمة كوبوناته التشهيرية عن اسمي.
غير أنّي، لم أكن على علمٍ بتوسّع مدى صيْده إلى آفاق جديدة، تعبيراً عن تماهيه مع سيّده الجديد، وتفانيه في الدفاع عن سمعته التي خَدَشها قلمُ ناقدٍ مُتّزنٍ وملتزمٍ بقضايا كان فخري كريم ذاتَ يوم يَزْعم تبنّيها، قبل أن تحلَّ مضاربُ «بني حداثة» الأميركية في ربوع العراق، وتَجْرف دبّاباتُهم طريقَ الحرية من الاستبداد الشرقي أمامه.
لقد قرأتُ في «الآداب» و«الأخبار» عن دعوى القدح والذمّ التي رفعها فخري كريم على سماح إدريس ومجلة «الآداب»، هذا المنبر الثقافي الحرّ العصيّ على التطويع والإلحاق، في سوق النخاسة الثقافية، وفي زمن يلهو ويَعْبث فيه مثقفو اليورو والدولار والنفط (بكوبونات أو بدونها) على معظم المنابر المرئية والمسموعة والمكتوبة. عندها، أدركتُ قعرَ الانحطاط الذي وصل إليه بعضُ الزمّارين بفوائد الاحتلال الأميركي، وسماسرةِ الثقافة الذين لا يتورّعون عن إقامة مهرجاناتهم الاستعراضية باسمها. فقد كنتُ إلى حين أعتقد ـــــ مخطئاً على ما يبدو ـــــ أنّ القضاء هو ملجأُ الضعفاء الاضطراري في مجابهة استبداد الأقوياء وطغيانهم وقهرِهم، علّه يعيد إلى أولئك الضعفاء بعضَ الحقّ والكرامة. ولم أكن أَعْلم أنّه يُراد للقضاء أن يُضْحيَ مرتعَ الجبناء ونزق العاجزين عن الحوار والمساجلة الفكرية والسياسية، وخاصةً عندما تتوافر لهم المنابر بيسر، وعندما يصان حقُّهم في الردّ من المنبر (أي «الآداب») الذي يَزْعمون أنَّه قد خَدَشَ حياءهم الرفيعَ جدّاً.
واللافت هنا أنّ فخري كريم، الذي صار من أصحاب السلطة والمال والإعلام معًا، يَعْجز أيضاً عن استكتاب ردٍّ ممّن تزخر بهم الساحةُ الإعلاميةُ العراقيةُ التي تورّمتْ مثل الفطر تحت سلطة الاحتلال التي عوّدتهم زرعَ المقالاتِ المدفوعة الأجر.
يبقى أن أذكّر القارئ بأن يسعى للاطّلاع على مقالة سماح إدريس، ليَحْكم بنفسه ويكتشفَ دعوى الافتراء عليه. فمقالةُ إدريس تَحْفل بالنقد الأدبي الرفيع والرصين، المسنود بالوقائع، عدا توجّهه إلى فخري كريم في أكثر من مكان بكلّ احترام، ويخاطبه بلغة الزمالة. عجبي! فمن يضعك على المرتبة نفسها، لا يُضمر لك شرّاً أو يقصد استخفافاً بقدرك، بل يناقش أفكارَكَ وممارساتك ومواقفك. فهل أضحى ذلك الحقُّ جريمةً تستدعي المقاضاة؟
قد يكون الأمرُ كذلك لدى مَنْ فرغت جعبتُه الفكرية، وضاق صدرُه، وتقلّص مداه، وجفّ مدادُه، لانهماكه بالسعي وراء سراب جني كوبوناتٍ جديدة... هذه المرة بواسطة القضاء. والحقّ أنَّه من المعيب أن يتوسّل بعضُ المحسوبين على الثقافة استباحةَ وتجريمَ ما تبقّّى من شموعٍ مضيئةٍ تصون شرفَ الثقافة وآدابها.
حقّاً صدق الشاعر بقوله: لا نامت أعين الجبناء!
ت
عنوان المقالة او الافتتاحية
اسم الكاتب
مكان النشر
14
أما آن لليلهم أن ينجلي عنا
د.بثينة شعبان
الشرق قطر
لم نكن، نحن المعنيين جداً بما يجري لأهلنا وإخواننا في العراق منذ كارثة الاحتلال الأمريكي له، بحاجة إلى تقرير أعدّته الخارجية الأمريكية وتمّ رفعه إلى الرئيس جورج بوش، كي نتأكّد من الاستهداف المقصود والتصفية الجسدية المنتظمة للعلماء والأطباء والمفكرين والمدرّسين وأساتذة الجامعة في العراق. ولكنّ التقرير أكّد، على كلّ حال، أن وحدات «الموساد» و«الكوماندوز» الإسرائيلية تعمل في الأراضي العراقية خصيصاً لقتل العلماء والمهندسين العراقيين وتصفيتهم جسدياً بعد أن فشلت الجهود الأمريكية منذ بداية الغزو في استمالة عدد منهم للتعاون والعمل في الأراضي الأمريكية، ويؤكّد التقرير أنّ هناك فريقاً أمريكياً خاصاً يساند القوات الإسرائيلية في أداء هذه المهمة الدموية، وأنّ الفريق الأمني الأمريكي يختصّ بتقديم السيرة الذاتية الكاملة، وطرق الوصول إلى هؤلاء العلماء العراقيين، وأنه ترتب على ذلك قتل 350 عالماً و200 أستاذ جامعي حتى الآن في الشوارع العراقية بعيداً عن منازلهم. وتستهدف هذه العمليات وفقاً للتقرير الأمريكي أكثر من 1000 عالم عراقي. إلا أنّ العبارة الجديدة الهامة في التقرير هي أنّ «أحد أسباب انتشار الانفجارات في بعض شوارع المدن العراقية يكون المستهدف منه قتل العلماء». أي أنّ قتل العلماء العراقيين لم يحدث نتيجة عمليات إرهابية غامضة، بل إنّ عمليات الإرهاب تحصد في كلّ مرة عشرات الناس خلال عملية تستهدف قتل عالم أو أستاذ جامعي، أي أنّ هؤلاء العلماء ليسوا ضحايا إرهاب عبثي يُلصقُ بـ «القاعدة» كالعادة، بل ضحايا عمليات قتل متعمّد من قبل أجهزة مخابرات مدرّبة على الاغتيال ولديها قائمة تستهدف سلب العراق خيرة علمائه ومفكريه.
وقد كتبت جهات عدّة عن هذا الموضوع منذ احتلال العراق إلى حدّ اليوم، من ضمنها جريدة اللوس أنجلس تايمز «8 نوفمبر 2007» التي تحدثت عن خطف وقتل أساتذة الجامعة، كما أشارات تقارير وكالات الأنباء إلى مقتل أكثر من ثلاثمائة أستاذ جامعي، وإلى «هجرة» ثلاثة آلاف منهم بعد الاحتلال الأمريكي الذي استهدف، كما يقول بوش وعلى ذمته، نشر «الديمقراطية» في العراق ليكون «نموذجاً» للبلدان الأخرى في الشرق الأوسط. يترافق ذلك مع حملة منظمة لخطف أشهر وأفضل الأطباء وقتلهم، وتهديد البعض الآخر ودفعهم إلى الهجرة خارج العراق أو مواجهة الموت المحتّم. كما أكّدت الحركة الإيرلندية المناهضة للحرب في تحقيق أجرته منذ شهر مارس2006 أنّ قوات الاحتلال الأمريكية، ولا ننسى أنها جاءت لنشر «الديمقراطية» تساعدها في ذلك فرق الموت التابعة للموساد الإسرائيلي، يقومون بإبادة «الثروة الفكرية والمهنية» في العراق، مطالبة اليونسكو بحماية من تبقى منهم. وقال التحقيق «رغم أن هناك مغدورين من ديانات وطوائف متعددة»، لكنّ التقرير شدّد على أنّ «النموذج الوحيد السائد هو أنّ الغالبية المطلقة من الضحايا هم إثنياً من العرب حصراً، وأن الاختصاصات الرئيسية المستهدفة هي العلوم والحقل الطبي وحملة الدراسات العليا من الماجستير والدكتوراه ورؤساء الجامعات وعمداء الكليات والأكاديميون الناجحون والمعروفون».
وتتزامن حملة الإبادة الجسدية هذه مع سرقة المتاحف، وحرق المكتبات، وتفجير الكنائس، والمساجد والجوامع، خاصة ذات القيمة الأثرية والفنية والمعمارية، فرغم كلّ ما مرّ على العراق من غزوات وحشية مدمّرة في تاريخه لم يشهد وحشية مثل التي قامت بتفجير منارتي مرقد الإمامين العسكريين في سامراء، وتفجير مئذنة مسجد «العشرة المبشرة» في حي الزهراء في البصرة. وقد بلغ عدد المساجد، ومراقد الصحابة، ودور العبادة ذات المكانة الواسعة التي تمّ تدميرها منذ احتلال العراق أكثر من عشرين. وفي السياق ذاته يأتي تفجير وحرق المكتبات في الجامعات والمدن، بما في ذلك تفجير شارع المتنبي في بغداد الذي هو الشارع الوحيد في العالم المتخصص كلياً بالكتاب والمكتبات وهو دليل حيّ على ألق فكر وحضارة أبناء ما بين النهرين.
ولكن هل هي محض صدفة أن تلقى مكتبة الشيخ عفيف النابلسي في مجمع الزهراء في صيدا اللبنانية ذات المصير، من قوات الدمار الإسرائيلية، الذي لقيه شارع المتنبي في بغداد؟ فقد دمّرت الطائرات الإسرائيلية، الأمريكية الصنع، مكتبة السيدة الزهراء في صيدا خلال حرب يوليو عام2006 وهي المكتبة التي كانت تضمّ آلاف الكتب والمخطوطات والمدونات، كما دمّرت أيضاً مكتبة العلامة السيد محمد حسين فضل الله، التي كانت تعتبر من أغنى المكتبات في المنطقة. كما دمّرت إسرائيل البنية التحتية للمدارس والجامعات والمبرّات والمراكز التربوية والاجتماعية والإنمائية. والشيء ذاته تمارسه إسرائيل منذ عقود في فلسطين، الذي ظهر جلياً خلال اجتياحها للبنان عام 1982، حين دمّرت بشكل منظّم مراكز الأبحاث والتراث والمكتبات الفلسطينية في بيروت والجنوب، كما اغتالت المئات من الكتّاب والمثقفين والفنانين الفلسطينيين، وتقوم حالياً بحرمان الشعب الفلسطيني من إدخال أي كتاب إلى الضفة والقطاع ضمن سياسة فرض حصار ثقافي وفكري على الشعب العربي الذي شكّل، طوال تاريخه الممتدّ لآلاف السنين، منارة للفكر والثقافة والعلوم والفنون والفلسفة والآداب في التاريخ الإنساني.
وإذا قرأنا في ضوء ما تقدّم من حقائق ما كتبته جريدة الغارديان البريطانية في10 أغسطس2007 عن مصير المكتبة والأرشيف الوطني في العراق، نستطيع أن نحدّد من هم «المتطرّفون» الذين يُتَّهَمون عادةً بحرق مكتباتنا، وبقتل علمائنا، والذين يصدرون بياناً في موقع للانترنت تتبنى فيه «القاعدة» كعادتها المسؤولية. فقد كتب مايكل هاورد من أربيل مقالاً بعنوان «يخشى من السرقة بعد إحكام القبضة على المكتبة الوطنية العراقية» أنّ آلاف الكتب النادرة والمخطوطات في المكتبة ومركز التوثيق العراقي، وهي أهمّ مؤسسة ثقافية عراقية، أصبحت في خطر بعد أن تمّ احتلال المبنى من قبل قوات الأمن العراقية. وقال سعد اسكندر أمين المكتبة: «لقد حولوا مكتبتنا وأرشيفنا الوطني إلى هدف عسكري، وغداً أو بعد غد، سوف يأتي «المتطرفون» ويهاجمون القوات العراقية هنا» وأضاف «نحن بين فكّي كماشة الإرهابيين والمتطرفين من جهة، والقوات الأمريكية من جهة أخرى». وفي ضوء ما تقدّم نرى أن التخطيط لقتل العلماء، وإحراق المكتبات يتمّ بالتعاون بين القوات الأمريكية والإسرائيلية في حرب إبادة شاملة ومنظمة للفكر والإبداع العربي.
من الواضح من كلّ ما لديّ من وثائق، التي أشرتُ إلى النزر اليسير منها في هذا المقال، أنّ الاستراتيجية الصهيونية في فلسطين والعراق ولبنان، وفي أيّ بلد عربي، تقوم على جذب أو تهجير أو قتل العلماء العرب، ونهب الآثار، وحرق المكتبات، ومن جهة أخرى اتهام العرب والمسلمين أنفسهم بالإرهاب، ويترافق ذلك مع منع أبنائهم من دخول فروع الطبّ والعلوم في الجامعات الغربية والأمريكية. ومن الواضح أيضاً أنهم بهذا يحاولون إعادة تجربة إبادة السكان الأصليين في الولايات المتحدة وأستراليا وإقامة دولتهم الاستعمارية الاستيطانية مكان الدول العربية، إذ يحلمون بأن تكون هذه منطقتهم بعد مائة عام، ولكنهم أخطأوا العنوان هذه المرة، فهذه الأمة لن تموت ولن يتمكنوا من إبادتها، فقد قتلوا غسان كنفاني، كما اعترفوا مؤخراً، في بيروت فانبعثت مؤسسة غسان كنفاني لتخرّج عشرات الكتاب والمؤلفين، وقتلوا ناجي العلي، فتمّ تأسيس مؤسسة ناجي العلي لتخرّج عشرات الفنانين! وفي غمرة إحراقهم للكتب في العراق نالت الرواية العراقية المرتبة الأولى بين الروايات العربية المترجمة إلى الانجليزية ونشطت حركة الشعر والكتابة والفنون والموسيقى لدى العراقيين في المهجر.
هذه ليست المرة الأولى التي يتعرّض فيها العرب لمثل هذه الغزوات الوحشية، فهذه الأمة تعرّضت إلى سرقة فكرها وعلمائها وحرفييها مراتٍ عديدة طوال تاريخها الطويل، وأُفرِغَت بلادنا من أمهر الحرفيين والمهندسين والأطباء الذين صاغوا هويتها أكثر من مرة، وقد كان لذلك أسوأ الآثار طبعاً على تقدمها وحركتها وتطورها ونمائها، ولكنها ما لبثت أن أنجبت البدلاء وإن استغرق ذلك وقتاً، ووضعها في موكب مختلف عما كان يمكن أن تكون لو قدّر لهذه الأمة ألا يمرّ عليها الطغاة من الغزاة ممن سلبوها أفضل أبنائها. فالغزاة من جيوش الأجانب المتوحشين والمتحضرين، القدماء والمعاصرين! على حدّ سواء يستهدفون علماءنا أولاً بقدر استهدافهم ثرواتنا وقلاعنا. فهم الذين أحرقوا مكتباتنا عندما كانت كتبنا رُقماً طينية، وأحرقوها في بغداد والإسكندرية وطرابلس والأندلس عندما تحولت إلى الورق الذي نشره العرب ليكون أداة لحمل ونقل المعارف والحضارة لكلّ البشر. والغزاة الرومان، والتتريين، والمغول والعثمانيين، كالأمريكيين والإسرائيليين أفرغوا عواصم الحضارة الإنسانية: بغداد، ودمشق، والقاهرة، وقرطبة وكلّ المدن العربية التي غزوها، وفي كلّ مرة، من مئات الألوف من الفلكيين، والكيميائيين، والبنّائين، والحدادين، والأطباء، والمعماريين، والسيّافين والصيادلة والأطباء والعشّابين وغيرهم من شاغلي آلاف الحرف التي طورها الإبداع العربي، وحملوهم إلى مواطن الغزو الوحشية لينشروا فيها منتجات الحضارة العربية، وليحرموا أمتنا من فرص التطور والتنمية. هذا ما عمله هولاكو ببغداد، وتيمور بحلب ودمشق وحمص، وهذا ما كرره السلطان سليم العثماني بالقاهرة ودمشق وغيرهما من مدن الشام، حين أقام أشهراً فيها وهو يرسل قوافل طويلة يومياً من العلماء والحرفيين وأدواتهم وكتبهم براً وبحراً إلى بلاده لتعميرها. وهذا ما يفعله بوش، وحلفاؤه من طغاة كيان الاستيطان الغربي في فلسطين، من جديد، بعلمائنا وأطبائنا ومهندسينا ومثقفينا. ولكن عبثاً يحاولون! فالطغاة هم الذين ينتهون وأمتنا تجدد نفسها كلّ مرة رغم ظلام التجهيل، وظلم الغزاة..

ليست هناك تعليقات: